محمد بن جرير الطبري

360

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

سكنى الحول بعد وفاته ؛ علما بأنه حق لها وجب في ماله بغير وصية منه لها ، إذ كان الميت مستحيلا أن يكون منه وصية بعد وفاته . ولو كان معنى الكلام على ما تأوله من قال : فليوص وصية ، لكان التنزيل : والذين يحضرهم الوفاة ويذرون أزواجا وصية لأَزواجهم ، كما قال : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ وبعد ، فلو كان ذلك واجبا لهن بوصية من أزواجهن المتوفين ، لم يكن ذلك حلا لهن إذا لم يوص أزواجهن لهن قبل وفاتهم ، ولكان لورثتهم إخراجهن قبل الحول ، وقد قال الله تعالى ذكره : غَيْرَ إِخْراجٍ ولكن الأَمر في ذلك بخلاف ما ظنه في تأويله قارئه : وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ بمعنى : أن الله تعالى كان أمر أزواجهن بالوصية لهن ، وإنما تأويل ذلك : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً المتوفى عنها زوجها كتب الله لأَزواجهم عليكم وصية منه لهن أيها المؤمنون أن لا تخرجوهن من منازل أزواجهن حولا ، كما قال تعالى ذكره في سورة النساء : غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ثم ترك ذكر " كتب الله " اكتفاء بدلالة الكلام عليه ، ورفعت والوصية " بالمعنى الذي قلنا قبل . فإن قال قائل : فهل يجوز نصب الوصية . . . . لهن وصية ؟ قيل : لا ، لأَن ذلك إنما كان يكون جائزا لو تقدم الوصية من الكلام ما يصلح أن تكون الوصية خارجة منه ، فأما ولم يتقدمه ما يحسن أن تكون منصوبة بخروجها منه ، فغير جائز نصبها بذلك المعنى . ذكر بعض من قال : إن سكنى حول كامل كان حلا لأَزواج المتوفين بعد موتهم على ما قلنا ، أوصى بذلك أزواجهن لهن أو لم يوصوا لهن به ، وأن ذلك نسخ بما ذكرنا من الأَربعة الأَشهر والعشر والميراث المتوفى عنها زوجها : حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن منهال ، قال : ثنا همام بن يحيى ، قال : سألت قتادة عن قوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فقال : كانت المرأة إذا توفي المتوفى عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولا في مال زوجها ما لم تخرج ، ثم نسخ ذلك بعد في سورة النساء ، فجعل لها فريضة معلومة الثمن إن كان له ولد ، والربع إن لم يكن له ولد ، وعدتها أربعة أشهر وعشرا ، فقال تعالى ذكره : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الحول . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع . في قوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ الآية . قال : كان هذا من قبل أن تنزل آية الميراث ، فكانت المرأة إذا توفي المتوفى عنها زوجها ، كان لها السكنى والنفقة حولا إن شاءت ، فنسخ ذلك في سورة النساء ، فجعل لها فريضة معلومة : جعل لها الثمن إن كان له ولد ، وإن لم يكن له ولد فلها الربع وجعل عدتها أربعة أشهر وعشرا ، فقال : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فكان الرجل إذا مات وترك امرأته ، اعتدت سنة في بينه ، ينفق عليها من ماله ؛ ثم أنزل الله تعالى ذكره بعد : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فهذه عدة المتوفى عنها زوجها ، إلا أن تكون حاملا ، فعدتها أن تضع ما في بطنها ، وقال في ميراثها : وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ فبين الله ميراث المرأة ،