محمد بن جرير الطبري
359
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
المكتوبة وإن كان في سفر أداؤها بركوعها وسجودها وحدودها ، وقائما بالأَرض غير ماش ولا راكب ، كالذي يجب عليه من ذلك إذا كان مقيما في مصره وبلده ، إلا ما أبيح له من القصر فيها في سفره . ولم يجر في هذه الآية للسفر ذكر ، فيتوجه قوله : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ إليه . وإنما جرى ذكر الصلاة في حال الأَمن وحال شده الخوف ، فعرف الله سبحانه وتعالى عباده صفة الواجب عليهم من الصلاة فيهما ، ثم قال : فإذا أمنتم فزال الخوف فأقيموا صلاتكم وذكري فيها وفي غيرها مثل الذي أوجبته عليكم قبل حدوث حال الخوف وبعده . فإن كان جرى للسفر ذكر ، ثم أراد الله تعالى ذكره تعريف خلقه صفة الواجب عليهم من الصلاة بعد مقامهم لقال : فإذا أقمتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ، ولم يقل : فإذا أمنتم . وفي قوله تعالى ذكره : فَإِذا أَمِنْتُمْ الدلالة الواضحة على صحة قول من وجه تأويل ذلك إلى الذي قلنا فيه ، وخلاف قول مجاهد . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ يعني تعالى ذكره بذلك : والذين يتوفون منكم أيها الرجال ، وَيَذَرُونَ أَزْواجاً المتوفى عنها زوجها يعني زوجات كن له نساء في حياته ، بنكاح لا ملك يمين . ثم صرف الخبر عن ذكر من ابتدأ الخبر بذكره ، نظير الذي مضى من ذلك في قوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً إلى الخبر عن ذكر أزواجهم . وقد ذكرنا وجه ذلك ، ودللنا على صحة القول فيه في نظيره الذي قد تقدم قبله ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . ثم قال تعالى ذكره : وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ فاختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأ بعضهم : وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ بنصب الوصية ؛ بمعنى : فليوصوا وصية لأَزواجهم ، أو عليهم وصية لأَزواجهم . وقرأ آخرون : " وصية لأَزواجهم " برفع " الوصية " . ثم اختلف أهل العربية في وجه رفع الوصية ؟ فقال بعضهم : رفعت بمعنى : كتبت عليهم الوصية ، واعتل في ذلك بأنها كذلك في قراءة عبد الله . فتأويل الكلام على ما قاله هذا القائل : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا كتبت عليهم وصية لأَزواجهم ، ثم ترك ذكر " كتبت " ، ورفعت الوصية وبذلك المعنى وإن كان متروكا ذكره . وقال آخرون منهم : بل الوصية مرفوعة بقوله : لِأَزْواجِهِمْ فتأول : لأَزواجهم وصية . والقول الأَول أولى بالصواب في ذلك ، وهو أن تكون الوصية إذا رفعت مرفوعة بمعنى : كتبت عليكم وصية لأَزواجكم ، لأَن العرب تضمر النكرات مرافعها قبلها إذا أضمرت ، فإذا أظهرت بدأت به قبلها ، فتقول : جاءني رجل اليوم ، وإذا قالوا : رجل جاءني اليوم ، لم يكادوا أن يقولوه إلا والرجل حاضر يشيرون إليه بهذا ، أو غائب قد علم المخبر عنه خبره ، أو بحذف " هذا " وإضماره ، إن حذفوه لمعرفة السامع بمعنى المتكلم ، كما قال الله تعالى ذكره : سُورَةٌ أَنْزَلْناها و بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فكذلك ذلك في قوله : وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه رفعا لدلالة ظاهر القرآن على أن مقام المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها المتوفى حولا كاملا ، كان حقا لها قبل نزول قوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً وقبل نزول آية الميراث . ولتظاهر الأَخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي دل عليه الظاهر من ذلك ، أوصى لهن أزواجهن بذلك قبل وفاتهن أو لم يوصوا لهن به . فإن قال قائل : وما الدلالة على ذلك ؟ قيل : لما قال الله تعالى ذكره : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ وكان الموصي لا شك إنما يوصي في حياته بما يؤمر بإنفاذه بعد وفاته ، وكان محالا أن يوصي بعد وفاته ، فكان تعالى ذكره إنما جعل لامرأة الميت