محمد بن جرير الطبري
352
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
المكتوبات هي التي اتبعه فيها نبيه صلى الله عليه وسلم ، فخصها من الحض عليها بما لم يخصص به غيرها من الصلوات ، وحذر أمته من تضييعها ما حل بمن قبلهم من الأَمم التي وصف أمرها ، ووعدهم من الأَجر على المحافظة عليها ضعفي ما وعد على غيرها من سائر الصلوات ، وأحسب أن ذلك كان كذلك ، لأَن الله تعالى ذكره جعل الليل سكنا والناس من شغلهم بطلب المعاش ، والتصرف في أسباب المكاسب هادئون إلا القليل منهم ، وللمحافظة على فرائض الله ، وإقام الصلوات المكتوبات فازعون ، وكذلك ذلك في صلاة الصبح ، لأَن ذلك وقت قليل من يتصرف فيه للمكاسب والمطالب ، ولا مؤنة عليهم في المحافظة عليها . وأما صلاة الظهر فان وقتها وقت قائلة الناس ، واستراحتهم من مطالبهم في أوقات شدة الحر ، وامتداد ساعات النهار ووقت توديع النفوس ، والتفرع لراحة الأَبدان في أوان البرد وأيام الشتاء ، وأن المعروف من الأَوقات لتصرف الناس في مطالبهم ومكاسبهم والاشتغال بسعيهم لما لا بد منه لهم من طلب أقواتهم وقتان من النهار : أحدهما أول النهار بعد طلوع الشمس إلى وقت الهاجرة ، وقد خفف الله تعالى ذكره فيه عن عباده عبء تكليفهم في ذلك الوقت ، وثقل ما يشغلهم عن سعيهم في مطالبهم ومكاسبهم ، وإن كان قد حثهم في كتابه وعلى لسان رسوله في ذلك الوقت على صلاة ووعدهم عليها الجزيل من ثوابه ، من غير أن يفرضها عليهم ، وهي صلاة الضحى . والآخر منهما آخر النهار ، وذلك من بعد إبراد الناس ، إمكان التصرف ، وطلب المعاش صيفا وشتاء إلى وقت مغيب الشمس وفرض عليهم فيه صلاة العصر ، ثم حث على المحافظة عليها لئلا يضيعوها لما علم من إيثار عباده أسباب عاجل دنياهم وطلب معايشهم فيها على أسباب آجل آخرتهم ، بما حثهم به عليه في كتابه ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، ووعدهم من جزيل ثوابه على المحافظة عليها ما قد ذكرت بعضه في كتابنا هذا . وسنذكر باقيه في كتابنا الأَكبر إن شاء الله من كتاب أحكام الشرائع . وإنما قيل لها الوسطى : لتوسطها الصلوات المكتوبات الخمس ، وذلك أن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين ، وهي بين ذلك وسطاهن ، والوسطى : الفعلي من قول القائل : وسطت القوم أسطهم سطة ووسوطا : إذا دخلت وسطهم ، ويقال للذكر فيه : هو أوسطنا ، وللأَنثى هي وسطانا . القول في تأويل قوله تعالى : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ اختلف أهل التأويل في معنى قوله قانِتِينَ فقال بعضهم : معنى القنوت : الطاعة ، ومعنى ذلك : وقوموا لله في صلاتكم ، مطيعين له فيما أمركم به فيها ونهاكم عنه . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن سعيد الكندي ، قال : ثنا عبد الله بن المبارك ، عن ابن عون ، عن الشعبي في قوله : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ قال : مطيعين . حدثني أبو السائب سلم بن جنادة ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن ابن عون ، عن الشعبي ، مثله . حدثني ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا أبو المنيب ، عن جابر بن زيد : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ يقول : مطيعين . حدثني أبو السائب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن عثمان بن الأَسود ، عن عطاء : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ قال : مطيعين . حدثنا أحمد بن عبدة الحمصي ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن ابن يشر ، عن سعيد بن جبير في قوله : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ قال : مطيعين . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن الربيع بن أبي راشد ، عن سعيد بن جبير أنه سئل عن القنوت ، فقال : القنوت : الطاعة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك ، قال : القنوت الذي ذكره الله في القرآن ، إنما يعنى به الطاعة . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا جويبر ، عن