محمد بن جرير الطبري

331

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كان ذلك دليلا على أن لكل مطلقة متاعا سوى من استثناه الله تعالى ذكره في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، فلما قال : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ كان في ذلك دليل عندهم على أن حقها النصف مما فرض لها ، لأَن المتعة جعلها الله في الآية التي قبلها عندهم لغير المفروض لها ، فكان معلوما عندهم بخصوص الله بالمتعة غير المفروض لها أن حكمها غير حكم التي لم يفرض لها إذا طلقها قبل المسيس فيما لها على الزوج من الحقوق . والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك عندي قول من قال : لكل مطلقة متعة ؛ لأَن الله تعالى ذكره قال : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فجعل الله تعالى ذكره ذلك لكل مطلقة ولم يخصص منهن بعضا دون بعض ، فليس لأَحد إحالة ظاهر تنزيل عام إلى باطن خاص إلا بحجة يجب التسليم لها . فإن قال قائل : فإن الله تعالى ذكره قد خص المطلقة قبل المسيس إذا كان مفروضا لها بقوله : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إذ لم يجعل لها غير نصف الفريضة ؟ قيل : إن الله تعالى ذكره إذا دل على وجوب شيء في بعض تنزيله ، ففي دلالته على وجوبه في الموضع الذي دل عليه الكفاية عن تكريره ، حتى يدل على بطول فرضه ، وقد دل بقوله : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ على وجوب المتعة لكل مطلقة ، فلا حاجة بالعباد إلى تكرير ذلك في كل آية وسورة . وليس في دلالته على أن متعة المطلقة قبل المسيس المفروض لها الصداق نصف ما فرض لها دلالة على بطول المتعة عنه ، لأَنه غير مستحيل في الكلام لو قيل : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم والمتعة ، فلما لم يكن ذلك محالا في الكلام كان معلوما أن نصف الفريضة إذا وجب لها لم يكن في وجوبه لها نفي عن حقها من المتعة ، ولما لم يكن اجتماعهما للمطلقة محالا وكان الله تعالى ذكره قد دل على وجوب ذلك لها ، وإن كانت الدلالة على وجوب أحدهما في آية غير الآية التي فيها الدلالة على وجوب الأَخرى ثبت وصح وجوبهما لها . هذا إذا لم يكن على أن المطلقة المفروض لها الصداق إذا طلقت قبل المسيس دلالة غير قول الله تعالى ذكره : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ فكيف وفي قول الله تعالى ذكره : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ الدلالة الواضحة على أن المفروض لها إذا طلقت قبل المسيس لها من المتعة مثل الذي لغير المفروض لها منها ؟ وذلك أن الله تعالى ذكره لما قال : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً كان معلوما بذلك أنه قد دل به على حكم طلاق صنفين من طلاق النساء : أحدهما المفروض له ، والآخر غير المفروض له ؛ وذلك أنه لما قال : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً علم أن الصنف الآخر هو المفروض له وأنها المطلقة المفروض لها قبل المسيس ، لأَنه قال : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ثم قال تعالى ذكره : وَمَتِّعُوهُنَّ فأوجب المتعة للصنفين منهن جميعا : المفروض لهن ، وغير المفروض لهن . فمن ادعى أن ذلك لأَحد الصنفين ، سئل البرهان على دعواه من أصل أو نظير ، ثم عكس عليه القول في ذلك فلن يقول في شيء منه قولا إلا ألزم في الآخر مثله . وأرى أن المتعة للمرأة حق واجب إذا طلقت على زوجها المطلقها على ما بينا آنفا يؤخذ بها الزوج كما يؤخذ بصداقها ، لا يبرئه منها إلا أداؤه إليها ، أو إلى من يقوم مقامها في قبضها منه ، أو ببراءة تكون منها له . وأرى أن سبيلها سبيل صداقها وسائر ديونها قبله يحبس بها إن طلقها فيها إذا لم يكن له شيء ظاهر يباع عليه إذا امتنع من إعطائها ذلك . وإنما قلنا ذلك ، لأَن الله تعالى ذكره قال : وَمَتِّعُوهُنَّ فأمر الرجال أن يمتعوهن ، وأمره فرض إلا أن يبين تعالى ذكره أنه عنى به الندب والإِرشاد لما قد بينا في كتابنا المسمى بلطيف البيان عن أصول الأَحكام ، لقوله : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ولا خلاف بين جميع أهل التأويل أن معنى ذلك : وللمطلقات على أزواجهن متاع بالمعروف . وإذا كان ذلك كذلك ، فلن‌يبرأ الزوج مما لها عليه إلا بما وصفنا قبل من أداء أو إبراء على ما قد بينا . فإن ظن ذو غباء أن الله تعالى ذكره إذ قال : حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ و