محمد بن جرير الطبري

332

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ أنها غير واجبة لأَنها لو كانت واجبة لكانت على المحسن وغير المحسن ، والمتقي وغير المتقي . فإن الله تعالى ذكره قد أمر جميع خلقه بأن يكونوا من المحسنين ، ومن المتقين ، وما وجب من حق على أهل الإِحسان والتقى ، فهو على غيرهم أوجب ، ولهم ألزم . وبعد ، فإن في إجماع الحجة على أن المتعة للمطلقة غير المفروض لها قبل المسيس واجبة بقوله : وَمَتِّعُوهُنَّ وجوب نصف الصداق للمطلقة المفروض لها قبل المسيس ، قال الله تعالى ذكره فيما أوجب لها . ذلك ؛ الدليل الواضح أن ذلك حق واجب لكل مطلقة بقوله : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وإن كان قال : حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ومن أنكر ما قلنا في ذلك ، سئل عن المتعة للمطلقة غير المفروض لها قبل المسيس ، فإن أنكر وجوبه خرج من قول جميع الحجة ، ونوظر مناظرتنا المنكرين في عشرين دينارا زكاة ، والدافعين زكاة العروض إذا كانت للتجارة ، وما أشبه ذلك . فإن أوجب ذلك لها ، سئل الفرق بين وجوب ذلك لها ، والوجوب لكل مطلقة ، وقد شرط فيما جعل لها من ذلك بأنه حق على المحسنين ، كما شرط فيما جعل للآخر بأنه حق على المتقين ، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله . واجمع الجميع على أن المطلقة غير المفروض لها قبل المسيس ، لا شيء لها على زوجها المطلقها غير المتعة . ذكر بعض من قال ذلك من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم : حدثنا أبو كريب ويونس بن عبد الأَعلى ، قالا : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يفرض لها وقبل أن يدخل بها ، فليس لها إلا المتاع متعة المطلقة . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن يونس ، قال : قال الحسن : إن طلق الرجل امرأته ولم يدخل بها ولم يفرض لها ، فليس لها إلا المتاع متعة المطلقة . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا أيوب ، عن نافع ، قال : إذا تزوج الرجل المرأة ثم طلقها ولم يفرض لها ، فإنما لها المتاع متعة المطلقة . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، قال : إذا تزوج الرجل المرأة ولم يفرض لها ، ثم طلقها قبل أن يمسها وقبل أن يفرض لها ، فليس لها عليه إلا المتاع بالمعروف متعة المطلقة . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً قال : ليس لها صداق إلا متاع بالمعروف متعة المطلقة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه ، إلا أنه قال : ولا متاع إلا بالمعروف . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ إلى : وَمَتِّعُوهُنَّ قال : هذا الرجل توهب له ، فيطلقها قبل أن يدخل بها ، فإنما عليه المتعة متعة المطلقة . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال في هذه الآية : هو الرجل يتزوج المرأة ولا يسمي لها صداقا ، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها ، فلها متاع بالمعروف متعة المطلقة ، ولا فريضة لها . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، مثله . حدثنا عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : سمعت الضحاك يقول في قوله : ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً متعة المطلقة هذا رجل وهبت له امرأته فطلقها من قبل أن يمسها ، فلها المتعة ، ولا فريضة لها ، وليست عليها عدة المطلقة . وأما الموسع ، فهو الذي قد صار من عيشه إلى سعة وغنى ، يقال منه . أوسع فلان فهو يوسع إيساعا وهو موسع . وأما المقتر : فهو المقل من المال ، يقال : قد أقتر فهو يقتر إقتارا ، وهو مقتر . واختلف القراء في قراءه القدر ، فقرأه بعضهم : عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ بتحريك الدال إلى الفتح من القدر ، توجيها منهم ذلك إلى الاسم من التقدير ، الذي هو من قول القائل : قدر فلان هذا الأَمر . وقرأ آخرون بتسكين الدال منه ، توجيها منهم ذلك إلى المصدر من ذلك ، كما قال الشاعر : وما صب رجلي في حديد مجاشع * مع القدر إلا حاجة لي أريدها والقول في ذلك عندي أنهما جميعا قراءتان قد جاءت بهما الأَمة ، ولا يحيل القراءة بإحداهما معنى في الأَخرى ،