محمد بن جرير الطبري
327
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عقدة النكاح في العدة حتى تنقضي العدة . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا مهران ، وحدثني علي ، قال حدثنا زيد جميعا ، عن سفيان قوله : حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ عقدة النكاح في العدة قال : حتى تنقضي العدة . القول في تأويل قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ يعني تعالى ذكره بذلك : واعلموا أيها الناس أن الله يعلم ما في أنفسكم من هواهن ونكاحهن وغير ذلك من أموركم . فَاحْذَرُوهُ يقول : فاحذروا الله واتقوه في أنفسكم أن تأتوا شيئا مما نهاكم عنه من عزم عقدة نكاحهن أو مواعدتهن السر في عددهن ، وغير ذلك مما نهاكم عنه في شأنهن في حال ما هن معتدات ، وفي غير ذلك . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يعني أنه ذو ستر لذنوب عباده وتغطية عليها فيما تكنه نفوس الرجال من خطبة المعتدات وذكرهم إياهن في حال عددهن ، وفي غير ذلك من خطاياهم . وقوله : حَلِيمٌ يعني أنه ذو أناة لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم . القول في تأويل قوله تعالى : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ الطلاق قبل المس يعني تعالى ذكره بقوله لا جُناحَ عَلَيْكُمْ لا حرج عليكم إن طلقتم النساء ، يقول : لا حرج عليكم في طلاقكم نساءكم وأزواجكم ما لم تمسوهن ، يعني بذلك : ما لم تجامعوهن . والمماسة في هذا الموضوع كناية عن اسم الجماع . كما : حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا محمد بن جعفر ، قالا جميعا : حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، قال : قال ابن عباس : المس : الجماع ، ولكن الله يكني ما يشاء بما شاء . حدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : المس : النكاح . وقد اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل الحجاز والبصرة ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ بفتح التاء من تمسوهن ، بغير ألف من قولك : مسته أمسه مسا ومسيسا ومسيسى مقصور مشدد غير مجرى . وكأنهم اختاروا قراءة ذلك إلحاقا منهم له بالقراءة المجتمع عليها في قوله : وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وقرأ ذلك آخرون : " ما لم تماسوهن " بضم التاء والأَلف بعد الميم إلحاقا منهم ذلك بالقراءة المجمع عليها في قوله : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا وجعلوا ذلك بمعنى فعل كل واحد من الرجل والمرأة بصاحبه من قولك : ماسست الشيء مماسة ومساسا . والذي نرى في ذلك أنهما قراءتان صحيحتا المعنى متفقا التأويل ، وإن كان في إحداهما زيادة معنى غير موجبة اختلافا في الحكم والمفهوم . وذلك أنه لا يجهل ذو فهم إذا قيل له : مسست زوجتي أن الممسوسة قد لاقى من بدنها بدن الماس ما لاقاه مثله من بدن الماس ، فكل واحد منهما وإن أفرد الخبر عنه بأنه الذي مس صاحبه معقول ، كذلك الخبر نفسه أن صاحبه المسوس قد ماسه ، فلا وجه للحكم لإِحدى القراءتين مع اتفاق معانيهما ، وكثرة القراءة بكل واحدة منهما بأنها أولى بالصواب من الأَخرى ، بل الواجب أن يكون القارئ بأيتهما قرأ مصيب الحق في قراءته . وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ الطلاق قبل المس المطلقات قبل الإِفضاء إليهن في نكاح قد سمي لهن فيه الصداق . وإنما قلنا إن ذلك كذلك ، لأَن كل منكوحة فإنما هي إحدى اثنتين إما مسمى لها الصداق ، أو غير مسمى لها ذلك ، فعلمنا بالذي يتلو ذلك من قوله تعالى ذكره أن المعنية بقوله : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ إنما هي المسمى لها ، لأَن المعنية بذلك لو كانت غير المفروض لها الصداق لما كان لقوله : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً معنى معقول ، إذ كان لا معنى لقول قائل : لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تفرضوا لهن فريضة في نكاح لم تماسوهن فيه أو ما لم تفرضوا لهن فريضة . فإذ كان لا معنى لذلك ، فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك : لا جناح عليكم إن طلقتم المفروض لهن من نسائكم الصداق قبل أن تماسوهن ، وغير المفروض لهن قبل الفرض . القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً يعني تعالى ذكره بقوله أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ متعة المطلقة أو توجبوا لهن ، وبقوله : فَرِيضَةً صداقا واجبا . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً قال : الفريضة : الصداق متعة المطلقة . وأصل الفرض : الواجب ، كما قال الشاعر : كانت فريضة ما أتيت كما * كان الزناء فريضة الرجم يعني كما كان الرجم الواجب من حد الزنا ، لذلك قيل : فرض السلطان لفلان ألفين ، يعني بذلك أوجب له ذلك