محمد بن جرير الطبري

306

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها إلا ما أطاقت . والوسع : الفعل من قول القائل : وسعني هذا الأَمر ، فهو يسعني سعة ، ويقال : هذا الذي أعطيتك وسعي ، أي ما يتسع لي أن أعطيك فلا يضيق علي إعطاؤكه وأعطيتك من جهدي إذا أعطيته ما يجهدك فيضيق عليك إعطاؤه فمعنى قوله لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها هو ما وصفت من أنها لا تكلف إلا ما يتسع لها بذل ما كلفت بذله ، فلا يضيق عليها ، ولا يجهدها ، لا ما ظنه جهلة أهل القدر من أن معناه : لا تكلف نفس إلا ما قد أعطيت عليه القدرة من الطاعات ، لأَن ذلك لو كان كما زعمت لكان قوله تعالى ذكره : انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إذا كان دالا على أنهم غير مستطيعي السبيل إلى ما كلفوه واجبا أن يكون القوم في حال واحدة قد أعطوا الاستطاعة على ما منعوها عليه وذلك من قائله إن قاله إحالة في كلامه ، ودعوى باطل لا يخيل بطوله وإذا كان بينا فساد هذا القول ، فمعلوم أن الذي أخبر تعالى ذكره أنه كلف النفوس من وسعها غير الذي أخبر أنه كلفها مما لا تستطيع إليه السبيل . القول في تأويل قوله تعالى : لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأ عامة قراء أهل الحجاز والكوفة والشام : لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها بفتح الراء بتأويل لا تضارر على وجه النهي وموضعه إذا قرئ كذلك جزم ، غير أنه حرك ، إذ ترك التضعيف بأخف الحركات وهو الفتح ، ولو حرك إلى الكسر كان جائزا اتباعا لحركة لام الفعل حركة عينه ، وإن شئت فلأَن الجزم إذا حرك حرك إلى الكسر وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض أهل البصرة : " لا تضار والدة بولدها " رفع ومن قرأه كذلك لم يحتمل قراءته معنى النهي ، ولكنها تكون بالخبر عطفا بقوله لا تُضَارَّ على قوله : لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معنى من رفع لا تضار والدة بولدها هكذا في الحكم ، أنه لا تضار والدة بولدها ، أي ما ينبغي أن تضار ، فلما حذفت " ينبغي " وصار " تضار " في وضعه صار على لفظه ، واستشهد لذلك بقول الشاعر : على الحكم المأتي يوما إذا قضى * قضيته أن لا يجور ويقصد فزعم أنه رفع يقصد بمعنى ينبغي والمحكي عن العرب سماعا غير الذي قال ؛ وذلك أنه روي عنهم سماعا فتصنع ماذا ، إذا أرادوا أن يقولوا : فتريد أن تصنع ماذا ، فينصبونه بنية " أن " ؛ وإذا لم ينووا " أن " ولم يريدوها ، قالوا : فتريد ماذا ، فيرفعون تريد ، لأَن لا جالب ل " أن " قبله ، كما كان له جالب قبل تصنع ، فلو كان معنى قوله لا تضار إذا قرئ رفعا بمعنى : ينبغي أن لا تضار ، أما ما ينبغي أن تضار ثم حذف ينبغي وأن ، وأقيم تضار مقام ينبغي لكان الواجب أن يقرأ إذا قرئ بذلك المعنى نصبا لا رفعا ، ليعلم بنصبه المتروك قبله المعني بالمراد ، كما فعل بقوله فتصنع ماذا ، ولكن معنى ذلك ما قلنا إذا رفع على العطف على لا تكلف ليست تكلف نفس إلا وسعها ، وليست تضار والدة بولدها المضارة في الرضاع ، يعني بذلك أنه ليس ذلك في دين الله وحكمه وأخلاق المسلمين وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بالنصب ، لأَنه نهي من الله تعالى ذكره كل واحد من أبوي المولود عن مضارة صاحبه له حرام عليهما ذلك بإجماع المسلمين ، فلو كان ذلك خبرا لكان حراما عليهما ضرارهما به كذلك وبما قلنا في ذلك من أن ذلك بمعنى النهي تأوله أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي تجيح ، عن مجاهد : لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها المضارة في الرضاع لا تأبى أن ترضعه ليشق ذلك على أبيه ولا يضار الوالد بولده ، فيمنع أمه أن ترضعه ليحزنها حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله