محمد بن جرير الطبري
305
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فقد يجب أن يكون كل عباده صفتهم أن يقولوا إذا بلغوا أشدهم وبلغوا أربعين سنة رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ * على ما وصف الله به الذي وصف في هذه الآية وفي وجودنا من يستحكم كفره بالله وكفرانه نعم ربه عليه ، وجرأته على والديه بالقتل والشتم وضروب المكاره عند استكماله الأَربعين من سنيه وبلوغه أشده ما يعلم أنه لم يعن الله بهذه الآية صفة جميع عباده ، بل يعلم أنه إنما وصف بها بعضا منهم دون بعض ، وذلك ما لا ينكره ولا يدفعه أحد ؛ لأَن من يولد من الناس لتسعة أشهر أكثر ممن يولد لأَربع سنين ولسنتين ، كما أن من يولد لتسعة أشهر أكثر ممن يولد لستة أشهر ولسبعة أشهر واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأ عامة أهل المدينة والعراق والشام : لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ بالياء في " يتم " ونصب والرضاعة بمعنى : لمن أراد من الآباء والأمهات أن يتم رضاع ولده ، وقرأه بعض أهل الحجاز " لمن أراد أن تتم الرضاعة " بالتاء في " تتم " ، ورفع " الرضاعة " بصفتها والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأ بالياء في " يتم " ونصب " الرضاعة " ، لأَن الله تعالى ذكره قال وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ فكذلك هن يتممها إذا أردن هن والمولود له إتمامها وأنها القراءة التي جاء بها النقل المستفيض الذي ثبتت به الحجة دون القراءة الأَخرى وقد حكي في الرضاعة سماعا من العرب كسر الراء التي فيها ، وإن تكن صحيحة فهي نظيرة الوكالة والوكالة والدلالة والدلالة ، ومهرت الشيء مهارة ومهارة ، فيجوز حينئذ الرضاع والرضاع ، كما قيل الحصاد والحصاد وأما القراءة فبالفتح لا غير . القول في تأويل قوله تعالى : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ يعني تعالى ذكره بقوله : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ وعلى آباء الصبيان للمراضع رزقهن نفقة المرضعة ، يعني رزق والدتهن ويعني بالرزق ما يقوتهن من طعام ، وما لا بد لهن من غذاء ومطعم وكسوتهن ، ويعني بالكسوة الملبس ويعني بقوله : بِالْمَعْرُوفِ بما يجب لمثلها على مثله إذ كان الله تعالى ذكره قد علم تفاوت أحوال خلقه بالغنى والفقر ، وأن منهم الموسع والمقتر وبين ذلك ، فأمر كلا أن ينفق على من لزمته نفقته من زوجته وولده على قدر ميسرته ، كما قال تعالى ذكره : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها وكما : حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال : إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع له ولدا ، فتراضيا على أن ترضع حولين كاملين ، نفقة المرضعة فعلى الوالد رزق المرضع والكسوة بالمعروف على قدر الميسرة ، لا تكلف نفسا إلا وسعها حدثني علي بن سهل الرملي ، قال : ثنا زيد ، وحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان قوله : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ والتمام : الحولان الرضاع وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ نفقة المرضعة على الأَب طعامها وكسوتها بالمعروف حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال نفقة المرضعة : على الأَب القول في تأويل قوله تعالى : لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها يعني تعالى ذكره بذلك : لا تحمل نفس من الأَمور إلا ما لا يضيق عليها ولا يتعذر عليها وجوده إذا أرادت وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك : لا يوجب الله على الرجال من نفقة من أرضع أولادهم من نسائهم البائنات منهم إلا ما أطاقوه ووجدوا إليه السبيل نفقة المرضعة ، كما قال تعالى ذكره : لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ كما حدثنا ابن حميد ، قال ثنا مهران ، وحدثني علي قال : ثنا زيد جميعا ، عن سفيان :