محمد بن جرير الطبري
301
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وقلوب أزواجهن من الريبة ، وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما أعني الزوج والمرأة علاقة حب ، لم يؤمن أن يتجاوزا ذلك إلى غير ما أحله الله لهما ، ولم يؤمن من أوليائهما أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا منه بريئين فأمر الله تعالى ذكره الأَولياء إذا أراد الأَزواج التراجع بعد البينونة بنكاح مستأنف في الحال التي أذن الله لهما بالتراجع أن لا يعضل وليته عما أرادت من ذلك ، وأن يزوجها ، لأَن ذلك أفضل لجميعهم ، وأطهر لقلوبهم مما يخاف سبوقه إليها من المعاني المكروهة ثم أخبر تعالى ذكره عباده أنه يعلم من سرائرهم وخفيات أمورهم ، ما لا يعلمه بعضهم من بعض ، ودلهم بقوله لهم ذلك في الموضع أنه إنما أمر أولياء النساء بإنكاح من كانوا أولياءه من النساء إذا تراضت المرأة والزوج الخاطب بينهم بالمعروف ، ونهاهم عن عضلهن عن ذلك لما علم مما في قلب الخاطب والمخطوب من غلبة الهوى والميل من كل واحد منهما إلى صاحبه بالمودة والمحبة ، فقال لهم تعالى ذكره : افعلوا ما أمرتكم به إن كنتم تؤمنون بي وبثوابي وبعقابي في معادكم في الآخرة ، فإني أعلم من قلب الخاطب والمخطوبة ما لا تعلمونه من الهوى والمحبة ، وفعلكم ذلك أفضل لكم عند الله ولهم ، وأزكى وأطهر لقلوبكم وقلوبهن في العاجل . القول في تأويل قوله تعالى : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ يعني تعالى ذكره بذلك : والنساء اللواتي بن من أزواجهن ولهن أولاد قد ولدنهم من أزواجهن قبل بينونتهن منهم بطلاق أو ولدنهم منهم بعد فراقهم إياهن من وطء كان منهم لهن قبل البينونة يرضعن أولادهن ، يعني بذلك أنهن أحق برضاعهم من غيرهن وليس ذلك بإيجاب من الله تعالى ذكره عليهن رضاعهم ، إذا كان المولود له والداحيا موسرا ؛ لأَن الله تعالى ذكره قال في سورة النساء القصرى : وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى وأخبر تعالى أن الوالدة والمولود له إن تعاسرا في الأَجرة التي ترضع بها المرأة ولدها ، أن أخرى سواها ترضعه ، فلم يوجب عليها فرضا ال رضاع ولدها ، فكان معلوما بذلك أن قوله : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ دلالة على مبلغ غاية الرضاع التي متى اختلف الولدان في رضاع المولود بعدها ، جعل حدا يفصل به بينهما ، لا دلالة على أن فرضا على الوالدات رضاع أولادهن وأما قوله حَوْلَيْنِ فإنه يعني به سنتين ، كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ سنتين حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وأصل الحول من قول القائل : حال هذا الشيء : إذا انتقل ، ومنه قيل : تحول فلان من مكان كذا : إذا انتقل عنه فإن قال لنا قائل : وما معنى ذكر كاملين في قوله : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ بعد قوله يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ وفي ذكر الحولين مستغنى عن ذكر الكاملين ؟ إذ كان غير مشكل على سامع سمع قوله : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ ما يراد به ، فما الوجه الذي من أجله زيد ذكر كاملين ؟ قيل : إن العرب قد تقول : أقام فلان بمكان كذا حولين أو يومين أو شهرين ، وإنما أقام به يوما وبعض آخر أو شهرا وبعض آخر ، أو حولا وبعض آخر فقيل حولين كاملين ليعرف سامع ذلك أن الذي أريد به حولان تامان ، لا حول وبعض آخر ، وذلك كما قال الله تعالى ذكره : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ومعلوم أن المتعجل إنما يتعجل في يوم ونصف ، فكذلك ذلك في اليوم الثالث من أيام التشريق ، وأنه ليس منه شيء تام ، ولكن العرب تفعل ذلك في الأَوقات خاصة ، فتقول : اليوم يومان منذ لم أره ، وإنما تعني بذلك