محمد بن جرير الطبري
293
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ رجوع المحللة يقول : إذا تزوجت بعد الأَول ، فدخل الآخر بها ، فلا حرج على الأَول أن يتزوجها إذا طلق الآخر أو مات عنها ، فقد حلت له حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا هشام ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك ، قال : إذا طلق واحدة أو ثنتين ، فله الرجعة ما لم تنقض العدة . قال : والثالثة قوله : فَإِنْ طَلَّقَها يعني الثالثة فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره ، فيدخل بها ، فإن طلقها هذا الأَخير بعد ما يدخل بها ، فلا جناح عليهما أن يتراجعا رجوع المحللة يعنى الأَول إن ظنا أن يقيما حدود الله وأما قوله : إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فإن معناه : إن رجوا مطمعا أن يقيما حدود الله . وإقامتهما حدود الله : العمل بها ، وحدود الله : ما أمرهما به ، وأوجب بكل واحد منهما على صاحبه ، وألزم كل واحد منهما بسبب النكاح الذي يكون بينهما . وقد بينا معنى الحدود ومعنى إقامة ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وكان مجاهد يقول في تأويل قوله : إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ما : حدثني به محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وقد وجه بعض أهل التأويل قوله إِنْ ظَنَّا إلى أنه بمعنى : إن أيقنا . وذلك ما لا وجه له ، لأَن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله تعالى ذكره . فإذ كان ذلك كذلك ، فما المعنى الذي به يوقن الرجل والمرأة أنهما إذا تراجعا أقاما حدود الله ؟ ولكن معنى ذلك كما قال تعالى ذكره : إِنْ ظَنَّا بمعنى طمعا بذلك ورجواه ؛ " وأن " التي في قوله أَنْ يُقِيما في موضع نصب ب " ظنا " ، و " أن " التي في أَنْ يَتَراجَعا جعلها بعض أهل العربية في موضع نصب بفقد الخافض ، لأَن معنى الكلام : فلا جناح عليهما في أن يتراجعا ، فلما حذفت " في " التي كانت تخفضها نصبها ، فكأنه قال : فلا جناح عليهما تراجعهما . وكان بعضهم يقول : موضعه خفض ، وإن لم يكن معها خافضها ، وإن كان محذوفا فمعروف موضعه . القول في تأويل قوله تعالى : وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ هذه الأَمور التي بينها لعباده في الطلاق والرجعة والفدية والعدة والإِيلاء وغير ذلك مما يبينه لهم في هذه الآيات ، حدود الله معالم فصول حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ، يُبَيِّنُها يفصلها ، فيميز بينها ، ويعرفهم أحكامها لقوم يعلمونها إذا بيتها الله لهم ، فيعرفون أنها من عند الله ، فيصدقون بها ، ويعملون بما أودعهم الله من علمه ، دون الذين قد طبع الله على قلوبهم ، وقضى عليهم أنهم لا يؤمنون بها ، ولا يصدقون بأنها من عند الله ، فهم يجهلون أنها من الله ، وأنها تنزيل من حكيم حميد . ولذلك خص القوم الذي يعلمون بالبيان دون الذين يجهلون ، إذ كان الذين يجهلون أنها من عنده قد آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من تصديق كثير منهم بها ، وإن كان بينها لهم من وجه الحجة عليهم ولزوم العمل لهم بها ، وإنما أخرجها من أن تكون بيانا لهم من وجه تركهم الإِقرار والتصديق به . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا يعني تعالى ذكره بذلك : وإذا طلقتم أيها الرجال نساءكم فبلغن أجلهن ، يعني ميقاتهن الذي وقته لهن من انقضاء الأَقراء الثلاثة إن كانت من أهل الأَقراء وانقضاء الأَشهر ، إن كانت من أهل الشهور ، فَأَمْسِكُوهُنَّ يقول : فراجعوهن إن أردتم رجعتهن في الطلقة التي فيها رجعة ، وذلك إما في التطليقة الواحدة أو التطليقتين كما قال تعالى ذكره : الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وأما قوله : بِمَعْرُوفٍ فإنه عنى بما أذن به من الرجعة من الإِشهاد على