محمد بن جرير الطبري
289
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
البقرة ضد الأَمر الذي نهى من أجله عن أخذ الفدية في سورة النساء ، كما الحظر في سورة النساء غير الطلاق والإِباحة في سورة البقرة . فإنما يجوز في الحكمين أن يقال أحدهما ناسخ إذا اتفقت معاني المحكوم فيه ، ثم خولف بين الأَحكام فيه باختلاف الأَوقات والأَزمنة . وأما اختلاف الأَحكام باختلاف معاني المحكوم فيه في حال واحدة ووقت واحد ، فذلك هو الحكمة البالغة ، والمفهوم في العقل والفطرة ، وهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل . وأما الذي قاله الربيع بن أنس من أن معنى الآية : فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه ، يعني بذلك : مما آتيتموهن ، فنظير قول بكر في دعواه نسخ قوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ بقوله : وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً لادعائه في كتاب الله ما ليس موجودا في مصاحف المسلمين رسمه . ويقال لمن قال بقوله : قد قال من قد علمت من أئمة الدين : إنما معنى ذلك : فلا جناح عليهما فيما افتدت به من ملكها ، فهل من حجة تبين تهافتهم غير الدعوى ، فقد احتجوا بظاهر التنزيل ، وادعيت فيه خصوصا . ثم يعكس عليه القول في ذلك ، فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله . وقد بينا الأَدلة بالشواهد على صحة قول من قال للزوج أن يأخذ منها كل ما أعطته المفتدية التي أباح الله لها الافتداء في كتابنا كتاب " اللطيف " فكرهنا إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها . . . هُمُ الظَّالِمُونَ يعني تعالى ذكره بذلك : تلك معالم فصوله ، بين ما أحل لكم ، وما حرم عليكم أيها الناس ، قلا تعتدوا ما أحل لكم من الأَمور التي بينها وفصلها لكم من الحلال ، إلى ما حرم عليكم ، فتجاوزوا طاعته إلى معصيته . وإنما عنى تعالى ذكره بقوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها هذه الأَشياء التي بينت لكم في هذه الآيات التي مضت من نكاح المشركات الوثنيات ، وإنكاح المشركين المسلمات ، وإتيان النساء في المحيض ، وما قد بين في الآيات الماضية قبل قوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ مما أحل لعباده وحرم عليهم ، وما أمر ونهى . ثم قال لهم تعالى ذكره : هذه الأَشياء التي بينت لكم حلالها من حرامها حدودي ، يعني به : معالم فصول ما بين طاعتي ومعصيتي فلا تعتدوها ؛ يقول : فلا تتحاوزوا ما أحللته لكم إلى ما حرمته عليكم ، وما أمرتكم به إلى ما نهيتكم عنه ، ولا طاعتي إلى معصيتي ، فإن من تعدى ذلك يعني من تخطاه وتجاوزه إلى ما حرمت عليه أو نهيته ، فإنه هو الظالم ، وهو الذي فعل ما ليس له فعله ، ووضع الشيء في غير موضعه . وقد دللنا فيما مضى على معنى الظلم وأصله بشواهده الدالة على معناه ، فكرهنا إعادته في هذا الموضع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن خالفت ألفاظ تأويلهم ألفاظ تأويلنا ، غير أن معنى ما قالوا في ذلك إلى معنى ما قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها يعني بالحدود : الطاعة . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها يقول : من طلق لغير العدة فقد اعتدى وظلم نفسه ، ومن يتعد حدود الله ، فأولئك هم الظالمون . قال أبو جعفر : وهذا الذي ذكر عن الضحاك يقول : من طلق لغير العدة فقد اعتدى لا معنى له في هذا الموضع ، لأَنه لم يجر للطلاق في العدة ذكر ، فيقال : تلك حدود الله ، وإنما جرى ذكر العدد الذي يكون للمطلق فيه الرجعة ، والذي لا يكون له فيه الرجعة دون ذكر البيان عن الطلاق للعدة . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ اختلف أهل التأويل فيما دل عليه هذا القول من الله تعالى ذكره ؛ فقال بعضهم : دل على أنه إن طلق الرجل امرأته