محمد بن جرير الطبري

290

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

التطليقة الثالثة بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما : الطَّلاقُ مَرَّتانِ فإن امرأته تلك لا تحل له بعد التطليقة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره ، يعني به غير المطلق . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : جعل الله الطلاق الثالث ثلاثا ، فإذا طلقها واحدة فهو أحق بها ما لم تنقض العدة ، وعدتها ثلاث حيض ، فإن انقضت العدة قبل أن يكون راجعها فقد بانت منه ، وصارت أحق بنفسها ، وصار خاطبا من الخطاب ، فكان الرجل إذا أراد طلاق أهله نظر حيضتها ، حتى إذا طهرت طلقها تطليقة في قبل عدتها عند شاهدي عدل ، فإن بدا له مراجعتها راجعها ما كانت في عدتها ، وإن تركها حتى تنقضي عدتها فقد بانت منه بواحدة ، وإن بدا له طلاقها بعد الواحدة وهي في عدتها نظر حيضتها ، حتى إذا طهرت طلقها تطليقة أخرى في قبل عدتها ، فإن بدا له مراجعتها راجعها ، فكانت عنده على واحدة ، وإن بدا له طلاقها طلقها الثالثة عند طهرها ، فهذه الثالثة التي قال الله تعالى ذكره : فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ يقول : إن طلقها ثلاثا الطلاق الثالث ، فلا تحل حتى تنكح زوجا غيره . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك ، قال : إذا طلق واحدة أو ثنتين فله الرجعة ما لم تنقض العدة ، قال : والثالثة قوله : فَإِنْ طَلَّقَها الطلاق الثالث يعني بالثالثة فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره . حدثنا يحيى بن أبي طالب ، قال : ثنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك ، بنحوه . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَإِنْ طَلَّقَها الطلاق الثالث بعد التطليقتين فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ، وهذه الثالثة وقال آخرون : بل دل هذا القول على ما يلزم مسرح امرأته بإحسان بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما : الطَّلاقُ مَرَّتانِ قالوا : وإنما بين الله تعالى ذكره بهذا القول عن حكم قوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وأعلم أنه إن سرح الرجل امرأته بعد التطليقتين فلا تحل له المسرحة كذلك إلا بعد زوج . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ الطلاق الثالث قال : عاد إلى قوله : فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . قال أبو جعفر : والذي قاله مجاهد في ذلك عندنا أولى بالصواب للذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي رويناه عنه أنه قال : أو سئل فقيل : هذا قول الله تعالى ذكره : الطَّلاقُ مَرَّتانِ فأين الثالثة ؟ قال : " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " . فأخبر صلى الله عليه وسلم ، أن الثالثة الطلاق الثالث إنما هي قوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ فإذ كان التسريح بالإِحسان هو الثالثة ، فمعلوم أن قوله : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ من الدلالة على التطليقة الثالثة بمعزل ، وأنه إنما هو بيان عن الذي يحل للمسرح بالإِحسان إن سرح زوجته بعد التطليقتين ، والذي يحرم عليه منها ، والحال التي يجوز له نكاحها فيها ، وإعلام عباده أن بعد التسريح على ما وصفت لا رجعة للرجل على امرأته . فإن قال قائل : فأي النكاحين عنى الله بقوله : فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ النكاح الذي هو جماع أم النكاح الذي هو عقد تزويج ؟ قيل : كلاهما ، وذلك أن المرأة إذا نكحت رجلا نكاح تزويج لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يطلقها لم تحل للأَول ، وكذلك إن وطئها واطئ بغير نكاح لم تحل للأَول لإجماع