محمد بن جرير الطبري
247
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من عقوبته إياه على ذلك مسقطا عنه عقوبته في آجله . وإذ كان تعالى ذكره قد وأخذه بها ، فغير جائز لقائل أن يقول : وقد وأخذه بها هي من اللغو الذي لا يؤاخذ به قائله ، فإذ كان ذلك غير جائز ، فبين فساد القول الذي روي عن سعيد بن جبير أنه قال : اللغو : الحلف على المعصية ، لأَن ذلك لو كان كذلك لم يكن على الحالف ، على معصية الله كفارة بحنثه في يمينه ، وفي إيجاب سعيد عليه الكفارة ؛ دليل واضح على أن صاحبها بها مؤاخذ ؛ لما وصفنا : من أن من لزمه الكفارة في يمينه ؛ فليس ممن لم يؤاخذ بها . فإذا كان اللغو هو ما وصفنا مما أخبرنا الله تعالى ذكره أنه غير مؤاخذنا به ، وكل يمين لزمت صاحبها بحنثه فيها الكفارة في العاجل ، أو أوعد الله تعالى ذكره صاحبها العقوبة عليها في الآجل ، وإن كان وضع عنه كفارتها في العاجل ، فهي مما كسبته قلوب الحالفين ، وتعمدت فيه الإِثم نفوس المقسمين ، وما عدا ذلك فهو اللغو وقد بينا وجوهه . فتأويل الكلام إذا : لا تجعلوا الله أيها المؤمنون عرضة لأَيمانكم ، وحجة لأَنفسكم في أقسامكم في أن لا تبرؤا ، ولا تتقوا ، ولا تصلحوا بين الناس ، فإن الله لا يؤاخذكم بما لغته ألسنتكم من أيمانكم ، فنطقت به من قبيح الأَيمان وذميمها ، على غير تعمدكم الإِثم وقصدكم بعزائم صدوركم إلى إيجاب عقد الأَيمان التي حلفتم بها ، ولكنه إنما يؤاخذكم بما تعمدتم فيه عقد اليمين وإيجابها على أنفسكم ، وعزمتم على الإِتمام على ما حلفتم عليه بقصد منكم وإرادة ، فيلزمكم حينئذ إما كفارة اليمين في العاجل ، وإما عقوبة في الآجل . القول في تأويل قوله تعالى : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أوعد الله تعالى ذكره بقوله : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ عباده أنه مؤاخذهم به بعد إجماع جميعهم على أن معنى قوله : بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ما تعمدت . فقال بعضهم : المعنى الذي أوعد الله عباده مؤاخذتهم به هو حلف الحالف منهم على كذب وباطل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، قال : إذا حلف الرجل على اليمين وهو يرى أنه صادق وهو كاذب ، فلا يؤاخذ بها ، وإذا حلف وهو يعلم أنه كاذب ، فذاك الذي يؤاخذ به . حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، قال : ثنا حسين الجعفي عن زائدة ، عن منصور ، قال : قال إبراهيم : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ قال : أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب ، فذاك الذي يؤاخذ به . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عمرو ، عن منصور ، عن إبراهيم : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أن تحلف وأنت كاذب . حدثني المثنى ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ وذلك اليمين الصبر الكاذبة ، يحلف بها الرجل على ظلم أو قطيعة . فتلك لا كفارة اليمين لها إلا أن يترك ذلك الظلم ، أو يد ذلك المال إلى أهله ، وهو قوله تعالى ذكره : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا إلى قوله : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ما عقدت عليه . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن عبد الملك ، عن عطاء قال : لا تؤاخذ حتى تقصد الأَمر ثم تحلف عليه بالله الذي لا اله إلا هو فتعقد عليه يمينك . والواجب على هذا التأويل هو حلف الحالف منهم على كذب وباطل أن يكون قوله تعالى ذكره : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ في الآخرة بما شاء من العقوبات ، وأن تكون الكفارة إنما تلزم الحالف في الأَيمان التي هي لغو . وكذلك روي عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس أنه كان لا يرى الكفارة إلا في الأَيمان التي تكون لغوا . فأما