محمد بن جرير الطبري
248
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ما كسبته القلوب ، وعقدت فيه على الإِثم ، فلم يكن يوجب فيه الكفارة . وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك فيما مضى قبل . وإذ كان ذلك تأويل الآية عندهم ، فالواجب على مذهبهم أن يكون معنى الآية في سورة المائدة : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ، ذلك كفارة اليمين أيمانكم إذا حلفتم ، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ، واحفظوا أيمانكم . وبنحو ما ذكرناه عن ابن عباس من القول في ذلك كان سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وجماعة أخر غيرهم يقولون ، وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك آنفا . وقال آخرون : المعنى الذي أوعد الله تعالى عباده المؤاخذة به بهذه الآية هو حلف الحالف على باطل يعلمه باطلا ، وبذلك أوجب الله عندهم الكفارة كفارة اليمين دون اللغو الذي يحلف به الحالف وهو مخطئ في حلفه يحسب أن الذي حلف عليه كما حلف وليس ذلك كذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ يقول : بما تعمدت قلوبكم ، وما تعمدت فيه المأثم ، فهذا عليك فيه الكفارة كفارة اليمين . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، مثله سواء . وكأن قائلي هذه المقالة هو حلف الحالف على باطل يعلمه باطلا ، وبذلك أوجب الله عندهم الكفارة كفارة اليمين دون اللغو الذي وجهوا تأويل مؤاخذة الله عبده على ما كسبه قلبه من الأَيمان الفاجرة ، إلى أنها مؤاخذة منه له بإلزامه الكفارة فيه . وقال بنحو قول قتادة جماعة أخر في إيجاب الكفارة على الحالف كفارة اليمين الفاجرة ، منهم عطاء والحكم . حدثنا أبو كريب ويعقوب ، قالا : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حجاج ، عن عطاء والحكم : أنهما كانا يقولان فيمن حلف كاذبا متعمدا : يكفر . وقال آخرون : بل ذلك معنيان : أحدهما مؤاخذ به العبد في حال الدنيا بإلزام الله إياه الكفارة منه ، والآخر منهما مؤاخذ به في الآخرة ، إلا أن يعفو . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أما ما كسبت قلوبكم : فما عقدت قلوبكم ، فالرجل يحلف على اليمين يعلم أنها كاذبة إرادة أن يقضي أمره . والأَيمان ثلاثة : اللغو ، والعمد ، والغموس ، والرجل يحلف على اليمين وهو يريد أن يفعل ثم يرى خيرا من ذلك ، فهذه اليمين التي قال الله تعالى ذكره : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فهذه لها كفارة اليمين . كأن قائل هذه المقالة بل ذلك معنيان : أحدهما مؤاخذ به العبد في حال الدنيا وجه تأويل قوله : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ إلى غير ما وجه إليه تأويل قوله : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ وجعل قوله : بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ الغموس من الأَيمان التي يحلف بها الحالف على علم منه بأنه في حلفه بها مبطل ، وقوله : بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ اليمين التي يستأنف فيها الحنث أو البر ، وهو في حال حلفه بها عازم على أن يبر فيها . وقال آخرون : بل ذلك هو اعتقاد الشرك بالله والكفر . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا إسماعيل بن مرزوق ، قال : ثني يحيى بن أيوب ، عن محمد ، يعني ابن عجلان ، أن يزيد بن أسلم كان يقول في قول الله تعالى ذكره : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ مثل قول الرجل : هو كافر ، هو مشرك ، قال : لا يؤاخذه الله حتى يكون ذلك من قلبه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال : اللغو في هذا : الحلف بالله ما كان بالأَلسن فجعله لغوا ، وهو أن يقول : هو كافر بالله ، وهو إذا يشرك بالله ، وهو يدعو مع الله إلها ، فهذا اللغو الذي قال الله تعالى في سورة البقرة : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ قال : بما كان في قلوبكم صدقا وأخذك به ، فإن لم يكن في قلبك صدقا لم يؤاخذك به ، وإن أثمت .