محمد بن جرير الطبري

246

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أن زيد بن أسلم كان يقول في قوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ مثل قول الرجل : هو كافر وهو مشرك ، قال : لا يؤاخذه حتى يكون ذلك من قلبه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال : اللغو في هذا : الحلف بالله ما كان بالأَلسن فجعله لغوا ، وهو أن يقول : هو كافر بالله ، وهو إذن يشرك بالله ، وهو يدعو مع الله إلها . فهذا اللغو الذي قال الله في سورة البقرة . وقال آخرون : اللغو في الأَيمان : ما كانت فيه كفارة . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ فهذا في الرجل يحلف على أمر إضرار أن يفعله فلا يفعله ، فيرى الذي هو خير منه ، فأمره الله أن يكفر كفارة اليمين يمينه ويأتي الذي هو خير . حدثني يحيى بن جعفر ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال : كفارة اليمين المكفرة . وقال آخرون : اللغو من الأَيمان : هو ما حنث فيه الحالف ناسيا . ذكر من قال ذلك : حدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا هشيم ، قال : أخبرني مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينساه ؛ يعني في قوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ . قال أبو جعفر : واللغو من الكلام في كلام العرب كل كلام كان مذموما وفعلا لا معنى له مهجورا ، يقال منه : لغا فلان في كلامه يلغو لغوا : إذا قال قبيحا من الكلام ، ومنه قول الله تعالى ذكره : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وقوله : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً مسموع من العرب لغيت باسم فلان ، بمعنى أولعت بذكره بالقبيح . فمن قال لغيت ، قال ألغى لغا ، وهي لغة لبعض العرب ، ومنه قول الراجز : ورب أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم فإذا كان اللغو ما وصفت ، وكان الحالف بالله ما فعلت كذا وقد فعل ؛ ولقد فعلت كذا وما فعل ، واصلا بذلك كلامه على سبيل سبوق لسانه من غير تعمد إثم في يمينه ، ولكن لعادة قد جرت له عند عجلة الكلام ، والقائل : والله إن هذا لفلان وهو يراه كما قال ، أو والله ما هذا فلان وهو يراه ليس به ، والقائل : ليفعلن كذا والله ، أو لا يفعل كذا والله ، على سبيل ما وصفنا من عجلة الكلام ، وسبوق اللسان للعادة ، على غير تعمد حلف على باطل ، والقائل هو مشرك أو هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل كذا ، أو إن فعل كذا من غير عزم على كفر ، أو يهودية أو نصرانية ؛ جميعهم قائلون هجرا من القول ، وذميما من المنطق ، وحالفون من الأَيمان بألسنتهم ما لم تتعمد فيه الإِثم قلوبهم . كان معلوما أنهم لغاة في أيمانهم لا تلزمهم كفارة في العاجل ، ولا عقوبة في الآجل لإِخبار الله تعالى ذكره أنه غير مؤاخذ عباده بما لغوا من أيمانهم ، وأن الذي هو مؤاخذهم به ما تعمدت فيه الإِثم قلوبهم . وإن كان ذلك كذلك ، وكان صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " فأوجب الكفارة بإتيان الحالف ما حلف أن لا يأتيه مع وجوب إتيان الذي هو خير من الذي حلف عليه أن لا يأتيه ، وكانت الغرامة في المال أو إلزام الجزاء من المجزي أبدال الجازين ، لا شك عقوبة كبعض العقوبات التي جعلها الله تعالى ذكره نكالا لخلقه فيما تعدوا من حدوده ، وإن كان يجمع جميعها أنها تمحيص وكفارات لمن عوقب بها فيما عوقبوا عليه كان بينا أن من ألزم الكفارة في عاجل دنياه فيما حلف به من الأَيمان فحنث فيه ، وإن كانت كفارة لذنبه فقد واخذه الله بها بإلزامه إياه الكفارة منها ، وإن كان ما عجل