محمد بن جرير الطبري

224

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : أُولئِكَ هؤلاء الذين حرمت عليكم أيها المؤمنون مناكحتهم من رجال أهل الشرك ونسائهم يدعونكم إلى النار ، يعني يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم النار ، وذلك هو العمل الذي هم به عاملون من الكفر بالله ورسوله . يقول : ولا تقبلوا منهم ما يقولون ، ولا تستنصحوهم ، ولا تنكحوهم ، ولا تنكحوا إليهم ، فإنهم لا يألونكم خبالا ؛ ولكن أقبلوا من الله ما أمركم به ، فاعملوا به ، وانتهوا عما نهاكم عنه ، فإنه يدعوكم إلى الجنة . يعني بذلك : يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار ، وإلى ما يمحو خطاياكم أو ذنوبكم فيعفو عنها ، ويسترها عليكم . وأما قوله : بِإِذْنِهِ فإنه يعني أنه يدعوكم إلى ذلك بإعلامه إياكم سبيله وطريقه الذي به الوصول إلى الجنة والمغفرة ثم قال تعالى ذكره : وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يقول : ويوضع حججه وأدلته في كتابه الذي أنزله على لسان رسوله لعباده ليتذكروا فيعتبروا ، ويميزوا بين الأَمرين اللذين أحدهما دعاء إلى النار والخلود فيها والآخر دعاء إلى الجنة وغفران الذنوب ، فيختاروا خيرهما لهم . ولم يجهل التمييز بين هاتين إلا غبي الرأي ، مدخول العقل . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ يعني تعالى ذكره بقوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ويسألك يا محمد أصحابك عن الحيض وقيل " المحيض " لأَن ما كان من الفعل ماضيه بفتح عين الفعل وكسرها في الاستقبال ، مثل قول القائل : ضرب يضرب ، وحبس يحبس ، ونزل ينزل ، فإن العرب تبني مصدره على المفعل والاسم على المفعل مثل المضرب والمضرب من ضربت ، ونزلت منزلا ومنزلا . ومسموع في ذوات الياء والأَلف المعيش والمعاش والمعيب والمعاب ، كما قال رؤية في المعيش : إليك أشكو شدة المعيش * ومر أعوام نتفن ريشي وإنما كان القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لنا عن الحيض ، لأَنهم كانوا قبل بيان الله لهم ما يتبينون من أمره ، لا يساكنون حائضا في بيت ، ولا يؤاكلونهن في إناء ، ولا يشاربونهن ، فعرفهم الله بهذه الآية أن الذي عليهم في أيام حيض نسائهم أن يجتنبوا جماعهن فقط دون ما عدا ذلك من مضاجعتهن ومؤاكلتهن ومشاربتهن . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ حتى بلغ : حَتَّى يَطْهُرْنَ فكان أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض في بيت ، ولا تؤاكلهم في إناء ، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك ، فحرم فرجها ما دامت حائضا ، وأحل ما سوى ذلك : أن تصبغ لك رأسك ، وتؤاكلك من طعامك ، وأن تضاجعك في فرا شك إذا كان عليها إزار محتجزة به دونك . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، مثله . وقد قيل : إنهم سألوا عن ذلك ، لأَنهم كانوا في أيام حيضهن يجتنبون إتيانهن في مخرج الدم ويأتونهن في أدبارهن . فنهاهم الله عن أن يقربوهن في أيام حيضهن حتى يطهرن ، ثم أذن لهم إذا تطهرن من حيضهن في إتيانهن من حيث أمرهم باعتزالهن ، وحرم إتيانهن في أدبارهن بكل حال . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، قال : ثنا عبد الواحد ، قال : ثنا خصيف ، قال : ثني مجاهد ، قال : كانوا يجتنبون النساء في المحيض ، ويأتونهن في أدبارهن ، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأنزل الله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ إلى : فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ في الفرج ولا تعدوه . وقيل : إن السائل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كان ثابت بن الدحداح الأَنصاري . حدثني بذلك