محمد بن جرير الطبري
174
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الحاج بعد قضاء مناسكه بقوله : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً جائز أن يكون هو التكبير الذي وصفنا من أجل أنه لا ذكر لله أمر العباد به بعد قضاء مناسكهم لم يكن عليهم من فرضه قبل قضائهم مناسكهم ، سوى التكبير الذي خص الله به أيام منى . فإذ كان ذلك كذلك ، وكان معلوما أنه جل ثناؤه قد أوجب على خلقه بعد قضائهم مناسكهم من ذكره ما لم يكن واجبا عليهم قبل ذلك ، وكان لا شيء من ذكره خص به ذلك الوقت سوى التكبير الذي ذكرناه ، كانت بينة صحة ما قلنا من تأويل ذلك على ما وصفنا . القول في تأويل قوله تعالى : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ يعني بذلك جل ثناؤه : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ أيها المؤمنون فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً وارغبوا إليه فيما لديه من خير الدنيا والآخرة بابتهال وتمسكن ، واجعلوا أعمالكم لوجهه خالصا ولطلب مرضاته ، وقولوا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ؛ ولا تكونوا كمن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة ، فكانت أعمالهم للدنيا وزينتها ، فلا يسألون ربهم إلا متاعها ، ولاحظ لهم في ثواب الله ، ولا نصيب لهم في جناته وكريم ما أعد لأَوليائه ، كما قال في ذلك أهل التأويل . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن عاصم ، عن أبي وائل : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا هب لنا غنما ، هب لنا إبلا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، قال : كانوا في الجاهلية يقولون : هب لنا إبلا ، ثم ذكر مثله . حدثنا أبو كريب ، قال : سمعت أبا بكر بن عياش في قوله : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ قال : كانوا يعني أهل الجاهلية يقفون يعني بعد قضاء مناسكهم فيقولون : اللهم أسقنا المطر ، وأعطنا اللهم ارزقنا غنما . فأنزل الله هذه الآية : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ قال أبو كريب : قلت ليحيى بن آدم : عمن هو ؟ قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن أبي وائل . حدثنا تميم بن المنتصر ، قال : أخبرنا إسحاق ، عن القاسم بن عثمان ، عن أنس : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ قال : كانوا يطوفون بالبيت عراة فيدعون فيقولون : اللهم اسقنا المطر ، وأعطنا على عدونا الظفر ، وردنا صالحين إلى صالحين . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا نصرا ورزقا ، ولا يسألون لآخرتهم شيئا . وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وحدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قول الله : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ فهذا عبد نوى الدنيا لها عمل ولها نصب . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في قوله : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ قال : كانت العرب إذا قضيت مناسكها وأقامت بمنى لا يذكر الله الرجل منهم ، وإنما يذكر أباه ، ويسأل أن يعطي في الدنيا . وحدثني يونس ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله . فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً قال كانوا أصنافا ثلاثة في تلك المواطن يومئذ : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأهل الكفر ، وأهل النفاق . فمن الناس من يقول : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ إنما حجوا للدنيا والمسألة لا يريدون الآخرة ولا يؤمنون بها ، ومنهم من يقول : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً الآية . قال : والصنف الثالث وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الآية . وأما معنى الخلاق فقد بيناه في غير هذا الموضع ، وذكرنا اختلاف المختلفين في تأويله والصحيح لدينا من معناه بالشواهد من الأَدلة وأنه النصيب ، بما فيه كفاية عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ اختلف أهل التأويل في معنى الحسنة التي ذكر الله في هذا الموضع ، فقال بعضهم . يعني بذلك : ومن الناس من يقول : ربنا أعطنا عافية في الدنيا وعافية في الآخرة . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال أخبرنا عبد الرازق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا