محمد بن جرير الطبري
175
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً قال : في الدنيا عافية ، وفي الآخرة عافية . قال قتادة : وقال رجل : اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا ؛ فمرض مرضا حتى أضنى على فراشه ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم شأنه ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : إنه دعا بكذا وكذا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنه لا طاقة لأَحد بعقوبة الله ، ولكن قل : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ فقالها ، فما لبث إلا أياما أو يسيرا حتى برأ . حدثني المثنى ، قال : ثنا سعيد بن الحكم ، قال : أخبرنا يحيى بن أيوب ، قال : ثني حميد ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قد صار مثل الفرخ المنتوف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل كنت تدعو الله بشيء ، أو تسأل الله شيئا ؟ " قال : قلت : اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعاقبني به في الدنيا . قال : " سبحان الله هل يستطيع أحد أن يطيقه فهلا قلت : اللهم آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار " . وقال آخرون : بل عنى الله عز وجل بالحسنة في هذا الموضع : في الدنيا : العلم والعبادة ، وفي الآخرة : الجنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا عباد ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً قال : الحسنة في الدنيا : العلم والعبادة ، وفي الآخرة : الجنة . حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : ثنا هشيم ، عن سفيان بن حسين ، عن الحسن في قوله : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ، وَقِنا عَذابَ النَّارِ قال : العبادة في الدنيا ، والجنة في الآخرة . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الرحمن بن واقد العطار ، قال : ثنا عباد بن العوام ، عن هشام ، عن الحسن في قوله : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً قال : الحسنة في الدنيا : الفهم في كتاب الله والعلم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت سفيان الثوري يقول هذه الآية : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً قال : الحسنة في الدنيا : العلم والرزق الطيب ، وفي الآخرة حسنة : الجنة . وقال آخرون : الحسنة في الدنيا : المال ، وفي الآخرة : الجنة . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ قال : فهؤلاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً هؤلاء المؤمنون ؛ أما حسنة الدنيا فالمال ، وأما حسنة الآخرة فالجنة . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله جل ثناؤه أخبر عن قوم من أهل الإِيمان به وبرسوله ، ممن حج بيته ، يسألون ربهم الحسنة في الدنيا ، والحسنة في الآخرة ، وأن يقيهم عذاب النار . وقد تجمع الحسنة من الله عز وجل العافية في الجسم والمعاش والرزق وغير ذلك والعلم والعبادة . وأما في الآخرة فلا شك أنها الجنة ، لأَن من لم ينلها يومئذ فقد حرم جميع الحسنات وفارق جميع معاني العافية . وإنما قلنا إن ذلك أولى التأويلات بالآية ؛ لأَن الله عز وجل لم يخص بقوله مخبرا عن قائل ذلك من معاني الحسنة شيئا ، ولا نصب على خصوصه دلالة دالة على أن المراد من ذلك بعض دون بعض ، فالواجب من القول فيه ما قلنا من أنه لا يجوز أن يخص من معاني ذلك شيء ، وأن يحكم بعمومه على ما عمه الله . وأما قوله : وَقِنا عَذابَ النَّارِ فإنه يعني بذلك : اصرف عنا عذاب النار ، يقال منه : وقيته كذا أقيه وقاية وواقية ووقاء ممدودا ، وربما قالوا : وقاك الله وقيا : إذا دفعت عنه أذى أو مكروها . القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ يعني بقوله جل ثناؤه : أولئك الذين يقولون بعد قضاء مناسكهم : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ رغبة منهم إلى الله جل ثناؤه فيما عنده ، وعلما منهم بأن الخير كله من عنده ، وأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء . فأعلم جل ثناؤه أن لهم نصيبا وحظا من حجهم ومناسكهم وثوابا جزيلا على عملهم الذي كسبوه ، وباشروا معاناته بأموالهم وأنفسهم خاصا ذلك لهم دون الفريق الآخر الذين عانوا ما عانوا من نصب أعمالهم وتعبها ، وتكلفوا ما تكلفوا من أسفارهم بغير رغبة منهم فيما عند ربهم من الأَجر والثواب ، ولكن رجاء خسيس من عرض الدنيا وابتغاء عاجل حطامها . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ