محمد بن جرير الطبري

171

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حين أحكم له دينه وشرع له حجته : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني قريشا والناس العرب . فرفعهم في سنة الحج إلى عرفات ، والوقوف عليها ، والإِفاضة من عرفات منها ؛ فوضع الله أمر الحمس ، وما كانت قريش ابتدعت منه عن الناس بالإِسلام حين بعث الله رسوله . حدثنا بحر بن نصر ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عائشة ، قال : كانت قريش تقف ب قزح ، وكان الناس يقفون ب‌عرفة . قال : فأنزله الله : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وقال آخرون : المخاطبون بقوله : ثُمَّ أَفِيضُوا المسلمون كلهم ، والمعني بقوله : مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ الإِفاضة من جمع ، وبالناس إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام . ذكر من قال ذلك . حدثت عن القاسم بن سلام ، قال : ثنا هارون بن معاوية الفزاري ، عن أبي بسطام عن الضحاك ، قال : هو إبراهيم . والذي نراه صوابا من تأويل هذه الآية ، أنه عنى بهذه الآية قريش ومن كان متحمسا معها من سائر العرب لإِجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله . وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية : فمن فرض فيهن الحج ، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ، وما تفعلوا من خير يعلمه الله . وهذا إذ كان ما وصفنا تأويله فهو من المقدم الذي معناه التأخير ، والمؤخر الذي معناه التقديم ، على نحو ما تقدم بياننا في مثله ، ولولا إجماع من وصفت إجماعه على أن ذلك تأويله . لقلت : أولى التأويلين بتأويل الآية ما قاله الضحاك من أن الله عنى بقوله : مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ من حيث أفاض إبراهيم ؛ لأَن الإِفاضة من عرفات لا شك أنها قبل الإِفاضة من جمع ، وقيل وجوب الذكر عند المشعر الحرام . وإذ كان ذلك لا شك كذلك وكان الله عز وجل إنما أمر بالإِفاضة من الموضع الذي أفاض منه الناس بعد انقضاء ذكر الإِفاضة من عرفات وبعد أمره بذكره عند المشعر الحرام ، ثم قال بعد ذلك : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ كان معلوما بذلك أنه لم يأمر بالإِفاضة إلا من الموضع الذي لم يفيضوا منه دون الموضع الذي قد أفاضوا منه ، وكان الموضع الذي قد أفاضوا منه فانقضى وقت الإِفاضة منه ، لا وجه لأَن يقال : أفض منه . فإذا كان لا وجه لذلك وكان غير جائز أن يأمر الله جل وعز بأمر لا معنى له ، كانت بينة صحة ما قاله من التأويل في ذلك ، وفساد ما خالفه لولا الإِجماع الذي وصفناه وتظاهر الأَخبار بالذي ذكرنا عمن حكينا قوله من أهل التأويل . فإن قال لنا قائل : وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه : والناس جماعة ، وإبراهيم صلى الله عليه وسلم واحد ، والله تعالى ذكره يقول : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ قيل : إن العرب تفعل ذلك كثيرا ، فتدل بذكر الجماعة على الواحد . ومن ذلك قول الله عز وجل : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ والذي قال ذلك واحد ، وهو فيما تظاهرت به الرواية من أهل السير نعيم بن مسعود الأَشجعي ، ومنه قول الله عز وجل : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً قيل : عنى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم . ونظائر ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى . القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني بذلك جل ثناؤه : فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ منصرفين إلى منى فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وادعوه واعبدوه عنده ، كما ذكركم بهدايته ، فوفقكم لما ارتضى لخليله إبراهيم ، فهداه له من شريعة دينه بعد أن كنتم ضلالا عنه . وفي " ثم " في قوله : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ من التأويل وجهان : أحدهما ما قاله الضحاك من أن معناه : ثم أفيضوا فانصرفوا راجعين إلى منى من حيث أفاض إبراهيم خليلي من المشعر الحرام ، وسلوني المغفرة لذنوبكم ، فإني لها غفور ، وبكم رحيم . كما : حدثني إسماعيل بن سيف العجلي ، قال : ثنا عبد القاهر بن السري السلمي ، قال : ثنا ابن كنانة ، ويكنى أبا كنانة ، عن أبيه ، عن العباس بن مرداس السلمي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوت الله يوم عرفة أن يغفر لأَمتي ذنوبها ، فأجابني أن قد غفرت ، إلا ذنوبها بينها وبين خلقي ، فأعدت الدعاء يومئذ ، فلم أجب بشيء ، فلما كان غداة المزدلفة قلت : يا رب إنك قادر أن تعوض هذا المظلوم من ظلامته ، وتغفر لهذا الظالم ، فأجابني أن قد غفرت " قال : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فقلنا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيناك تضحك في يوم لم تكن تضحك فيه ؟ قال : " ضحكت من عدو الله إبليس لما سمع بما سمع إذا هو يدعو