محمد بن جرير الطبري
172
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بالويل والثبور ، ويضع التراب على رأسه " حدثنا مسلم بن حاتم الأَنصاري ، قال : ثنا بشار بن بكير الحنفي ، قالا : ثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة ، فقال : " أيها الناس إن الله تطول عليكم في مقامكم هذا ، فقبل محسنكم ، وأعطى محسنكم ما سأل ، ووهب مسيئكم لمحسنكم ، والتبعات فيما بينكم أفيضوا على اسم الله " فلما كان غداة جمع قال : " أيها الناس إن الله قد تطول عليكم في مقامكم هذا ، فقبل من محسنكم ، ووهب مسيئكم لمحسنكم ، والتبعات بينكم عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله " فقال أصحابه : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضت بنا بالأَمس كئيبا حزينا ، وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني سألت ربي بالأَمس شيئا لم يجد لي به ، سألته التبعات فأبي علي ، فلما كان اليوم أتاني جبريل قال : إن ربك يقرئك السلام ويقول التبعات ضمنت عوضها من عندي " . فقد بين هذان الخبران أن غفران الله التبعات التي بين خلقه فيما بينهم إنما هو غداة جمع ، وذلك في الوقت الذي قال جل ثناؤه : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ لذنوبكم ، فإنه غفور لها حينئذ ، تفضلا منه عليكم ، رحيم بكم . والآخر منهما : ثم أفيضوا من عرفة إلى المشعر الحرام ، فإذا أفضتم إليه منها فاذكروا الله عنده كما هداكم . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً يعني بقول جل ثناؤه : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فإذا فرغتم من حجكم فذبحتم نسائككم ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ يقال منه : نسك الرجل ينسك نسكا ونسيكة ومنسكا إذا ذبح نسكه ، والمنسك : اسم مثل المشرق والمغرب . فأما النسك في الدين . فإنه يقال منه ما كان الرجل ناسكا ، ولقد نسك ، ونسك نسكا نسكا ونساكة ، وذلك إذا تقرأ . وبمثل الذي قلنا في معنى المناسك في هذا الموضع قال مجاهد . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ قال : إهراقه الدماء . وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وأما قوله : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فإن أهل التأويل اختلفوا في صفة ذكر القوم آباءهم الذين أمرهم الله أن يجعلوا ذكرهم إياه كذكرهم آباءهم أو أشد ذكرا ، فقال بعضهم : كان القوم في جاهليتهم بعد فراغهم من حجهم ومناسكهم يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم ، فأمرهم الله في الإِسلام أن يكون ذكرهم بالثناء والشكر والتعظيم لربهم دون غيره ، وأن يلزموا أنفسهم من الإِكثار من ذكره نظير ما كانوا ألزموا أنفسهم في جاهليتهم من ذكر آبائهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا تميم بن المنتصر ، قال : ثنا إسحاق بن يوسف ، عن القاسم بن عثمان ، عن أنس في هذه الآية ، قال : كانوا يذكرون آباءهم في الحج ، فيقول بعضهم : كان أبي يطعم الطعام ، ويقول بعضهم : كان أبي يضرب بالسيف ، ويقول بعضهم : كان أبي جز نواصي بني فلان . وحدثني محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان . عن عبد العزيز ، عن مجاهد قال : كانوا يقولون : كان آباؤنا ينحرون الجزر ، ويفعلون كذا ، فنزلت هذه الآية : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن عاصم ، عن أبي وائل : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً قال : كان أهل الجاهلية يذكرون فعال آبائهم . حدثنا أبو كريب ، قال : سمعت أبا بكر بن عياش ، قال : كان أهل الجاهلية إذا فرغوا من الحج قاموا عند البيت فيذكرون آبائهم وأيامهم : كان أبي يطعم الطعام ، وكان أبي يفعل ، فذلك قوله : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ قال أبو كريب : قلت ليحيى بن آدم : عمن هو ؟ قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن أبي وائل . وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرني حجاج عمن حدثه ، عن مجاهد في قوله : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ قال : كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا عند الجمرة فذكروا آباءهم ، وذكروا أيامهم في الجاهلية وفعال آبائهم ، فنزلت هذه الآية . حدثني يعقوب ، قال : ثنا