محمد بن جرير الطبري
114
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عَلَى الظَّالِمِينَ قال : هم المشركون . حدثني المثنى ، قال . ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا عثمان بن غياث ، قال : سمعت عكرمة في هذه الآية : فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ قال : هم من أبي أن يقول لا إله إلا الله . وقال آخرون : معنى قوله . فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ فلا تقاتل إلا من قاتل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ يقول : لا تقاتلوا إلا من قاتلكم . حدثني المثنى ، قال . ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ فإن الله لا يحب العدوان على الظالمين ولا على غيرهم ، ولكن يقول : اعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم . فكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في قوله فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ لا يجوز أن يقول فإن انتهوا ، إلا وقد علم أنهم لا ينتهون إلا بعضهم ، فكأنه قال : فإن انتهى بعضهم فلا عدوان إلا على الظالمين منهم ، فأضمر كما قال : فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ يريد فعليه ما استيسر من الهدي ، وكما تقول : إلى من تقصد أقصد ، يعني إليه . وكان بعضهم ينكر الإِضمار في ذلك ويتأوله ، فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم لمن انتهى ، ولا عدوان إلا على الظالمين الذين لا ينتهون . القول في تأويل قوله تعالى : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ يعني بقوله جل ثناؤه الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ ذا القعدة ، وهو الشهر الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمر فيه عمرة الحديبية ، فصده مشركو أهل مكة عن البيت ودخول مكة ، وكان ذلك سنة ست من هجرته ، وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين في تلك السنة ، على أن يعود من العام المقبل ، فيدخل مكة ويقيم ثلاثا ، فلما كان العام المقبل ، وذلك سنة سبع من هجرته خرج معتمرا وأصحابه في ذي القعدة ، وهو الشهر الذي كان المشركون صدوه عن البيت فيه في سنة ست ، وأخلى له أهل مكة البلد ، حتى دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقضى حاجته منها ، وأتم عمرته ، وأقام بها ثلاثا ، ثم خرج منها منصرفا إلى المدينة ، فقال الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمسلمين معه : الشَّهْرُ الْحَرامُ يعني ذا القعدة الذي أوصلكم الله فيه إلى حرمة بيته على كراهة مشركي قريش ذلك حتى قضيتم منه وطركم بِالشَّهْرِ الْحَرامِ الذي صدكم مشركو قريش العام الماضي قبله فيه ، حتى انصرفتم عن كره منكم عن الحرام ، فلم تدخلوا ولم تصلوا إلى بيت الله ، فأقصدكم الله أيها المؤمنون من المشركين بإدخالكم الحرام في الشهر الحرام على كره منهم لذلك ، بما كان منهم إليكم في الشهر الحرام من الصد والمنع من الوصول إلى البيت . كما : حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : ثنا يوسف ، يعني ابن خالد السمتي ، قال : ثنا نافع بن مالك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ قال : هم المشركون حبسوا محمدا صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ، فرجعه الله في ذي القعدة ، فأدخله البيت الحرام ، فاقتص له منهم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ قال : فخرت قريش بردها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام ، فأدخله الله مكة في العام المقبل من ذي القعدة فقضى عمرته ، وأقصه بما حيل بينه وبينها يوم الحديبية . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نبي الله صلى الله عليه وسلم فاعتمروا في ذي القعدة ومعهم الهدي ، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون ، فصالحهم نبي الله صلى الله عليه وسلم على أن يرجع من عامه ذلك ، حتى يرجع من العام المقبل ، فيكون ب مكة ثلاثة أيام ، ولا يدخلها إلا بسلاح راكب ويخرج ، ولا يخرج بأحد من أهل مكة ، فنحروا الهدي بالحديبية ، وحلقوا وقصروا . حتى إذا كان من العام المقبل أقبل نبي الله وأصحابه نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلوا مكة ، فاعتمروا في ذي القعدة ، فأقاموا بها ثلاث ليال ، فكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه يوم الحديبية ، فأقصه الله منهم ، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه في ذي القعد ، فقال الله : الشَّهْرُ الْحَرامُ