محمد بن جرير الطبري
115
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، وعن عثمان ، عن مقسم في قوله : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ قالا : كان هذا في سفر الحديبية ، صد المشركون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت في الشهر الحرام ، فقاضوا المشركين يومئذ قضية " إن لكم أن تعتمروا في العام المقبل " في هذا الشهر الذي صدوهم فيه ، فجعل الله تعالى ذكره لهم شهرا حراما يعتمرون فيه مكان شهرهم الذي صدوا ، فلذلك قال : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ قال : لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من مهاجره صده المشركون ، وأبوا أن يتركوه ، ثم إنهم صالحوه في صلحهم على أن يخلوا له مكة من عام قابل ثلاثة أيام يخرجون ، ويتركونه فيها ، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر من السنة السابعة ، فخلوا له مكة ثلاثة أيام ، فنكح في عمرته تلك ميمونة بنت الحارث الهلالية . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أحصروا النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة عن البيت الحرام ، فأدخله الله البيت الحرام العام المقبل ، واقتص له منهم ، فقال : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه النبي صلى الله عليه وسلم ، فأحرموا بالعمرة في ذي القعدة ومعهم الهدي ، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون ، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع ذلك العام حتى يرجع العام المقبل ، فيقيم ب مكة ثلاثة أيام ، ولا يخرج معه بأحد من أهل مكة . فنحروا الهدي بالحديبية ، وحلقوا وقصروا . حتى إذا كانوا من العام المقبل ، أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخلوا مكة ، فاعتمروا في ذي القعدة وأقاموا بها ثلاثة أيام ، وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه يوم الحديبية ، فقاص الله له منهم ، وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه في ذي القعدة . قال الله جل ثناؤه : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فهم المشركون كانوا حبسوا محمدا صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة عن البيت ، ففخروا عليه بذلك ، فرجعه الله في ذي القعدة ، فأدخله الله البيت الحرام واقتص له منهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ حتى فرغ من الآية . قال : هذا كله قد نسخ ، أمره أن يجاهد المشركين . وقرأ : قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وقرأ : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ العرب ، فلما فرغ منهم ، قال الله جل ثناؤه : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حتى بلغ قوله : وَهُمْ صاغِرُونَ قال : وهم الروم قال : فوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الوهاب الثقفي ، قال : ثنا أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في هذه الآية : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ قال : أمركم الله بالقصاص ، ويأخذ منكم العدوان . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء وسألته عن قوله : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ قال : نزلت في الحديبية ، منعوا في الشهر الحرام ، فنزلت : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ عمرة في شهر حرام بعمرة في شهر حرام . وإنما سمى الله جل ثناؤه ذا القعدة الشهر الحرام ، لأَن العرب في الجاهلية كانت تحرم فيه القتال والقتل وتضع فيه السلاح ، ولا يقتل فيه أحد أحدا ولو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه . وإنما كانوا سموه ذا القعدة لقعودهم فيه عن المغازي والحروب ، فسماه الله بالاسم الذي كانت العرب تسميه به . وأما الحرمات فإنها جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة ، والحجرات جمع حجرة . وإنما قال جل ثناؤه : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فجمع ، لأَنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإِحرام ، فقال جل ثناؤه لنبيه محمد والمؤمنين معه : دخولكم الحرم بإحرامكم هذا في شهركم هذا الحرام قصاص مما منعتم من مثله عامكم الماضي ، وذلك هو الحرمات التي جعلها الله قصاصا . وقد بينا أن