محمد بن جرير الطبري

94

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وهب قال : سألت ابن زيد عن قوله : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ قال : ما يشعرون أنهم ضروا أنفسهم بما أسروا من الكفر والنفاق . وقرأ قول الله : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً قال : هم المنافقون ، حتى بلغ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ قد كان الإِيمان ينفعهم عندكم . القول في تأويل قوله جل ثناءه : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وأصل المرض : السقم ، ثم يقال ذلك في الأَجساد والأَديان ؛ فأخبر الله جل ثناؤه أن في قلوب المنافقين مرضا . وإنما عنى تبارك وتعالى بخبره عن مرض قلوبهم الخبر عن مرض ما في قلوبهم من الاعتقاد ولكن لما كان معلوما بالخبر عن مرض القلب أنه معنى به مرض ما هم معتقدوه من الاعتقاد استغنى بالخبر عن القلب بذلك والكناية عن تصريح الخبر عن ضمائرهم واعتقاداتهم ؛ كما قال عمر بن لجأ : وسبحت المدينة لا تلمها * رأت قمرا بسوقهم نهارا يريد وسبح أهل المدينة . فاستغنى بمعرفة السامعين خبره بالخبر عن المدينة عن الخبر عن أهلها . ومثله قول عنترة العبسي : هلا سألت الخيل يا ابنة مالك * إن كنت جاهلة بما لم تعلمي يريد : هلا سألت أصحاب الخيل ؟ ومنه قولهم : يا خيل الله اركبي ، يراد : يا أصحاب خيل الله اركبوا . والشواهد على ذلك أكثر من أن يحصيها كتاب ، وفيما ذكرنا كفاية لمن وفق لفهمه . فكذلك معنى قول الله جل ثناؤه : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ إنما يعني في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الدين والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من عند الله مرض وسقم . فاجتزأ بدلالة الخبر عن قلوبهم على معناه عن تصريح الخبر عن اعتقادهم . والمرض الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه في اعتقاد قلوبهم الذي وصفناه هو شكهم في أمر محمد ، وما جاء به من عند الله وتحيرهم فيه ، فلا هم به موقنون إيقان إيمان ، ولا هم له منكرون إنكار إشراك ؛ ولكنهم كما وصفهم الله عز وجل ، مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، كما يقال : فلان تمرض في هذا الأَمر ، أي يضعف العزم ولا يصحح الروية فيه . وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك تظاهر القول في تفسيره من المفسرين . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك . وحدثنا عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : المرض : النفاق حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يقول : في قلوبهم شك . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد في قوله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال : هذا مرض في الدين وليس مرضا في الأَجساد . قال : هم المنافقون . حدثني المثنى بن إبراهيم قال : حدثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك قراءة عن سعيد عن قتادة في قوله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال : في قلوبهم ريبة وشك في أمر الله جل ثناؤه . وحدثت عن عمار بن الحسن ، قال حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال : هؤلاء أهل النفاق ، والمرض الذي في قلوبهم الشك في أمر الله تعالى ذكره . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ حتى بلغ : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ قال المرض : الشك الذي دخلهم في الإِسلام . القول في تأويل قوله تعالى : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً قد