محمد بن جرير الطبري

95

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

دللنا آنفا على أن تأويل المرض الذي وصف الله جل ثناؤه أنه في قلوب المنافقين : هو الشك في اعتقادات قلوبهم وأديانهم وما هم عليه في أمر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر نبوته وما جاء به مقيمون . فالمرض الذي أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنه زادهم على مرضهم هو نظير ما كان في قلوبهم من الشك والحيرة قبل الزيادة ، فزادهم الله بما أحدث من حدوده وفرائضه التي لم يكن فرضها قبل الزيادة التي زادها المنافقين من الشك والحيرة إذ شكوا وارتابوا في الذي أحدث لهم من ذلك إلى المرض والشك الذي كان في قلوبهم في السالف من حدوده وفرائضه التي كان فرضها قبل ذلك ، كما زاد المؤمنين به إلى إيمانهم الذي كانوا عليه قبل ذلك بالذي أحدث لهم من الفرائض والحدود إذ آمنوا به ، إلى إيمانهم بالسالف من حدوده وفرائضه إيمانا . كالذي قال جل ثناؤه في تنزيله : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ فالزيادة التي زيدها المنافقون من الرجاسة إلى رجاستهم هو ما وصفنا ، والزيادة التي زيدها المؤمنون إلى إيمانهم هو ما بينا ، وذلك هو التأويل المجمع عليه . ذكر بعض من قال ذلك من أهل التأويل : حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت . عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً قال : شكا . حدثني موسى بن هارون ، قال : أخبرنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً يقول : فزادهم الله ريبة وشكا . حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك قراءة عن سعيد عن قتادة : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً يقول : فزادهم الله ريبة وشكا في أمر الله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً قال : زادهم رجسا . وقرأ قول الله عز وجل : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ قال : شرا إلى شرهم ، وضلالة إلى ضلالتهم . وحدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً قال زادهم الله شكا . القول في تأويل قوله جل ثناءه : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قال أبو جعفر : والأَليم : هو الموجع ، ومعناه : ولهم عذاب مؤلم ، فصرف " مؤلم " إلى " أليم " ، كما يقال : ضرب وجيع بمعنى موجع ، والله بديع السماوات والأَرض بمعنى مبدع . ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي : أمن ريحانة الداعي السميع * يؤرقني وأصحابي هجوع بمعنى المسمع . ومنه قول ذي الرمة : ويرفع من صدور شمردلات * يصد وجوهها وهج أليم ويروى " يصك " ، وإنما الأَليم صفة للعذاب ، كأنه قال : ولهم عذاب مؤلم . وهو مأخوذ من الأَلم ، والأَلم : الوجع . كما : حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه أبو جعفر عن الربيع ، قال : الأَليم : الموجع . حدثنا يعقوب ، قال : حدثنا هشيم ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك قال : الأَليم ، الموجع . وحدثت عن المنجاب بن الحارث ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك في قوله أَلِيمٌ قال : هو العذاب الموجع وكل شيء في القرآن من الأَليم فهو الموجع . القول في تأويل قوله جل