محمد بن جرير الطبري
90
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بعد معرفتهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ قال أبو جعفر : أما قوله : وَمِنَ النَّاسِ فإن في الناس وجهين : أحدهما أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه ، وإنما واحده إنسان وواحدته إنسانة . والوجه الآخر : أن يكون أصله " أناس " أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها ، ثم دخلتها الأَلف واللام المعرفتان ، فأدغمت اللام التي دخلت مع الأَلف فيها للتعريف في النون ، كما قيل في : لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي على ما قد بينا في اسم الله الذي هو الله . وقد زعم بعضهم أن الناس لغة غير أناس ، وأنه سمع العرب تصغره نويس من الناس ، وأن الأَصل لو كان أناس لقيل في التصغير : أنيس ، فرد إلى أصله . وأجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق ، وأن هذه الصفة صفتهم ذكر بعض من قال ذلك من أهل التأويل بأسمائهم : حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يعني المنافقين من الأَوس والخزرج ، ومن كان على أمرهم . وقد سمي في حديث ابن عباس هذا أسماؤهم عن أبي بن كعب ، غير أني تركت تسميتهم كراهة إطالة الكتاب بذكرهم . حدثنا الحسين بن يحيى ، قال : أنبأنا عبد الرزاق قال : أنبأنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ حتى بلغ : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ قال : هذه في المنافقين . حدثنا محمد بن عمرو الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : هذه الآية إلى ثلاث عشرة في نعت المنافقين . حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثنا سفيان ، قال : حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد مثله . حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن إسماعيل السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ هم المنافقون حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس في قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قال : هؤلاء أهل النفاق . حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج في قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ قال : هذا المنافق يخالف قوله فعله وسره علانيته ومدخله مخرجه ومشهده مغيبه . وتأويل ذلك أن الله جل ثناؤه لما جمع لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أمره في دار هجرته واستقر بها قراره وأظهر الله بها كلمته ، وفشا في دور أهلها الإِسلام ، وقهر بها المسلمون من فيها من أهل الشرك من عبدة الأَوثان ، وذل بها من فيها من أهل الكتاب ؛ أظهر أحبار يهودها لرسول الله الضغائن وأبدوا له العداوة والشنآن حسدا وبغيا إلا نفرا منهم ، هداهم الله للإِسلام فأسلموا ، كما قال الله جل ثناؤه : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ وطابقهم سرا على معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبغيهم الغوائل قوم من أراهط الأَنصار