محمد بن جرير الطبري
91
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الذي آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه وكانوا قد عتوا في شركهم وجاهليتهم قد سموا لنا بأسمائهم ، كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم وأنسابهم . وظاهروهم على ذلك في خفاء غير جهار حذار القتل على أنفسهم والسباء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وركونا إلى اليهود ، لما هم عليه من الشرك وسوء البصيرة بالإِسلام . فكانوا إذا لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإِيمان به من أصحابه ، قالوا لهم حذارا على أنفسهم : إنا مؤمنون بالله وبرسوله وبالبعث ، وأعطوهم بألسنتهم كلمة الحق ليدرءوا عن أنفسهم حكم الله فيمن اعتقد ما هم عليه مقيمون من الشرك لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من شركهم ، وإذا لقوا إخوانهم من اليهود وأهل الشرك والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به فخلوا بهم ، قالوا : إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ فإياهم عنى جل ذكره بقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يعني بقوله تعالى خبرا عنهم " آمنا بالله " : صدقنا بالله . وقد دللنا على أن معنى الإِيمان التصديق فيما مضى قبل من كتابنا هذا . وقوله : وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني بالبعث يوم القيامة . وإنما سمي يوم القيامة اليوم الآخر : لأَنه آخر يوم ، لا يوم بعده سواه . فإن قال قائل : وكيف لا يكون بعده يوم ، ولا انقطاع للآخرة ، ولا فناء ، ولا زوال ؟ . قيل : إن اليوم عند العرب إنما سمي يوما بليلته التي قبله ، فإذا لم يتقدم النهار ليل لم يسم يوما ، فيوم القيامة يوم لا ليل له بعده سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة ، فذلك اليوم هو آخر الأَيام ، ولذلك سماه الله جل ثناؤه : " اليوم الآخر " ، ونعته بالعقيم ، ووصفه بأنه يوم عقيم لأَنه لا ليل بعده . وأما تأويل قوله : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ونفيه عنهم جل ذكره اسم الإِيمان ، وقد أخبر عنهم أنهم قد قالوا بألسنتهم آمنا بالله وباليوم الآخر ؛ فإن ذلك من الله جل وعز تكذيب لهم فيما أخبروا عن اعتقادهم من الإِيمان والإِقرار بالبعث ، وإعلام منه نبيه صلى الله عليه وسلم أن الذي يبدونه له بأفواههم خلاف ما في ضمائر قلوبهم ، وضد ما في عزائم نفوسهم . وفي هذه الآية دلالة واضحة على بطول ما زعمته الجهمية من أن الإِيمان هو التصديق بالقول دون سائر المعاني غيره . وقد أخبر الله جل ثناؤه عن الذين ذكرهم في كتابه من أهل النفاق أنهم قالوا بألسنتهم : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ثم نفى عنهم أن يكونوا مؤمنين ، إذ كان اعتقادهم غير مصدق قيلهم ذلك . وقوله : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يعني بمصدقين فيما يزعمون أنهم به مصدقون . القول في تأويل قوله جل ثناءه : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا قال أبو جعفر : وخداع المنافق ربه والمؤمنين إظهاره بلسانه من القول والتصديق خلاف الذي في قلبه من الشك والتكذيب ليدرأ عن نفسه بما أظهر بلسانه حكم الله عز وجل اللازم من كان بمثل حاله من التكذيب لو لم يظهر بلسانه ما أظهر من التصديق والإِقرار من القتل والسباء ، فذلك خداعه ربه وأهل الإِيمان بالله . فإن قال قائل : وكيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية ؟ قيل : لا تمتنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي هو في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف ، فنجا بذلك مما خافه مخادعا لمن تخلص منه بالذي أظهر له من التقية ، فكذلك المنافق سمي مخادعا لله وللمؤمنين بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية مما تخلص به من القتل والسباء والعذاب العاجل ، وهو لغير ما أظهر مستبطن ، وذلك من فعله وإن كان خداعا للمؤمنين في عاجل الدنيا فهو لنفسه بذلك من فعله خادع ؛ لأَنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه