محمد بن جرير الطبري

87

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والغلف قيل فإن قلوب العباد أوعية لما أودعت من العلوم وظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور ، فمعنى الختم عليها وعلى الأَسماع التي بها تدرك المسموعات ، ومن قبلها يوصل إلى معرفة حقائق الأَنباء عن المغيبات ، نظير معنى الختم على سائر الأَوعية والظروف . فإن قال : فهل لذلك من صفة تصفها لنا فنفهمها ؟ أهي مثل الختم الذي يعرف لما ظهر للأَبصار ، أم هي بخلاف ذلك ؟ قيل : قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك ، وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم . فحدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي ، قال : حدثنا يحيى بن عيسى ، عن الأَعمش ، قال : أرانا مجاهد بيده فقال : كانوا يرون أن القلب في مثل هذا يعني الكف الختم فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه وقال بأصبعه الخنصر هكذا فإذا أذنب ضم وقال بأصبع أخرى فإذا أذنب ضم وقال بأصبع أخرى هكذا حتى ضم أصابعه كلها . قال : ثم يطبع عليه بطابع . قال مجاهد : وكانوا يرون أن ذلك الرين . حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا وكيع عن الأَعمش ، عن مجاهد ، قال : القلب مثل الكف ، فإذا أذنب ذنبا قبض أصبعا حتى يقبض أصابعه كلها . وكان أصحابنا يرون أنه الران . حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : قال مجاهد : نبئت أن الذنوب على القلب تحف به من نواحيه حتى تلتقي عليه ، فالتقاؤها عليه الطبع ، والطبع الختم . قال ابن جريج : الختم ختم على القلب والسمع . حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : حدثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول : الران أيسر من الطبع ، والطبع أيسر من الإِقفال ، والإِقفال أشد ذلك كله . وقال بعضهم : إنما معنى قوله : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ إخبار من الله جل ثناؤه عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق ، كما يقال : إن فلانا لأَصم عن هذا الكلام ، إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهمه تكبرا . والحق في ذلك عندي ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما : حدثنا به محمد بن يسار ، قال : حدثنا صفوان بن عيسى ، قال : حدثنا ابن عجلان عن القعقاع ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه ، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه ، فإن زاد زادت حتى يغلف قلبه ؛ فذلك الران الذي قال الله جل ثناؤه : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها ، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله عز وجل والطبع ، فلا يكون للإِيمان إليها مسلك ، ولا للكفر منها مخلص . فذلك هو الطبع والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ نظير الطبع والختم على ما تدركه الأَبصار من الأَوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها ، فكذلك لا يصل الإِيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم ، إلا بعد فضه خاتمه وحله رباطه عنها . ويقال لقائلي القول الثاني الزاعمين أن معنى قوله جل ثناؤه : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ هو وصفهم بالاستكبار والإِعراض عن الذي دعوا إليه من الإِقرار بالحق تكبرا : أخبرونا عن استكبار الذين وصفهم الله جل ثناؤه بهذه الصفة وإعراضهم عن الإِقرار بما دعوا إليه من الإِيمان وسائر المعاني اللواحق به ، أفعل منهم ، أم فعل من الله تعالى ذكره بهم ؟ فإن زعموا أن ذلك فعل منهم وذلك قولهم ، قيل لهم : فإن الله تبارك وتعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم