محمد بن جرير الطبري
88
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وسمعهم ، وكيف يجوز أن يكون إعراض الكافر عن الإِيمان وتكبره عن الإِقرار به ، وهو فعله عندكم ختما من الله على قلبه وسمعه ، وختمه على قلبه وسمعه فعل الله عز وجل دون فعل الكافر ؟ فإن زعموا أن ذلك جائز أن يكون كذلك ، لأَن تكبره وإعراضه كانا عن ختم الله على قلبه وسمعه ، فلما كان الختم سببا لذلك جاز أن يسمى مسببه به ؛ تركوا قولهم ، وأوجبوا أن الختم من الله على قلوب الكفار وأسماعهم معنى غير كفر الكافر وغير تكبره وإعراضه عن قبول الإِيمان والإِقرار به ، وذلك دخول فيما أنكروه . وهذه الآية من أوضح الأَدلة على فساد قول المنكرين تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله ؛ لأَن الله جل ثناؤه أخبر أنه ختم على قلوب صنف من كفار عباده وأسماعهم ، ثم لم يسقط التكليف عنهم ولم يضع عن أحد منهم فرائضه ولم يعذره في شيء مما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطبع على قلبه وسمعه ، بل أخبر أن لجميعهم منه عذابا عظيما على تركهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه مع حتمه القضاء مع ذلك بأنهم لا يؤمنون . القول في تأويل قوله جل ثناءه : وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وقوله : وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ خبر مبتدأ بعد تمام الخبر عما ختم الله جل ثناؤه عليه من جوارح الكفار الذين مضت قصصهم ، وذلك أن غِشاوَةٌ مرفوعة بقوله : وَعَلى أَبْصارِهِمْ فذلك دليل على أنه خبر مبتدأ ، وأن قوله : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ قد تناهى عند قوله : وَعَلى سَمْعِهِمْ وذلك هو القراءة الصحيحة عندنا لمعنيين ، أحدهما : اتفاق الحجة من القراء والعلماء على الشهادة بتصحيحها ، وانفراد المخالف لهم في ذلك وشذوذه عما هم على تخطئته مجمعون ؛ وكفى بإجماع الحجة على تخطئة قراءته شاهدا على خطئها . والثاني : أن الختم غير موصوفة به العيون في شيء من كتاب الله ، ولا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا موجود في لغة أحد من العرب . وقد قال تبارك وتعالى في سورة أخرى : وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ثم قال : وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فلم يدخل البصر في معنى الختم ، وذلك هو المعروف في كلام العرب . فلم يجز لنا ولا لأَحد من الناس القراءة بنصب الغشاوة لما وصفت من العلتين اللتين ذكرت ، وإن كان لنصبها مخرج معروف في العربية . وبما قلنا في ذلك من القول والتأويل ، روي الخبر عن ابن عباس . حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي الحسين بن الحسن ، عن أبيه ، عن جده جد الحسن ، عن ابن عباس : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ والغشاوة على أبصارهم . فإن قال قائل : وما وجه مخرج النصب فيها ؟ قيل له : إن نصبها بإضمار " جعل " كأنه قال : وجعل على أبصارهم غشاوة ؛ ثم أسقط " جعل " ؛ إذ كان في أول الكلام ما يدل عليه . وقد يحتمل نصبها على إتباعها موضع السمع إذ كان موضعه نصبا ، وإن لم يكن حسنا إعادة العامل فيه على " غشاوة " ولكن على اتباع الكلام بعضه بعضا ، كما قال تعالى ذكره : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ ثم قال : وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ فخفض اللحم والحور على العطف به على الفاكهة اتباعا لآخر الكلام أوله . ومعلوم أن اللحم لا يطاف به ولا بالحور ، ولكن ذلك كما قال الشاعر يصف فرسه : علفتها تبنا وماء باردا * حتى شتت همالة عيناها ومعلوم أن الماء يشرب ولا يعلف به ، ولكنه نصب ذلك على ما وصفت قبل . وكما قال الآخر : ورأيت زوجك في الوغي * متقلدا سيفا ورمحا وكان ابن جريج يقول في انتهاء الخبر عن الختم