محمد بن جرير الطبري
79
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
غيبا . وقد اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أنزل الله جل ثناؤه هاتين الآيتين من أول هذه السورة فيهم ، وفي نعتهم وصفتهم التي وصفهم بها من إيمانهم بالغيب ، وسائر المعاني التي حوتها الآيتان من صفاتهم غيره . فقال بعضهم : هم مؤمنو العرب خاصة ، دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب . واستدلوا على صحة قولهم ذلك وحقيقة تأويلهم بالآية التي تتلو هاتين الآيتين ، وهو قول الله عز وجل : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ قالوا : فلم يكن للعرب كتاب قبل الكتاب الذي أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم تدين بتصديقه والإِقرار والعمل به ، وإنما كان الكتاب لأَهل الكتابين غيرها . قالوا : فلما قص الله عز وجل نبأ الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله بعد اقتصاصه نبأ المؤمنين بالغيب ، علمنا أن كل صنف منهم غير الصنف الآخر ، وأن المؤمنين بالغيب نوع غير النوع المصدق بالكتابين اللذين أحدهما منزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، والآخر منهما على من قبله من رسل الله تعالى ذكره . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلنا من أن تأويل قول الله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إنما هم الذين يؤمنون بما غاب عنهم من الجنة والنار والثواب والعقاب والبعث ، والتصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله وجميع ما كانت العرب لا تدين به في جاهليتها ، بما أوجب الله جل ثناؤه على عباده الدينونة به دون غيرهم . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ؛ وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أما : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فهم المؤمنون من العرب ، وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أما الغيب : فما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار ، وما ذكر الله في القرآن . لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم . وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب . وقال بعضهم : بل نزلت هذه الآيات الأَربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة ، لإِيمانهم بالقرآن عند إخبار الله جل ثناؤه إياهم فيه عن الغيوب التي كانوا يخفونها بينهم ويسرونها ، فعلموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك منهم في تنزيله أنه من عند الله جل وعز ، فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدقوا بالقرآن وما فيه من الإِخبار عن الغيوب التي لا علم لهم بها لما استقر عندهم بالحجة التي احتج الله تبارك وتعالى بها عليهم في كتابه ، من الإِخبار فيه عما كانوا يكتمونه من ضمائرهم ؛ أن جميع ذلك من عند الله . وقال بعضهم : بل الآيات الأَربع من أول هذه السورة أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم بوصف جميع المؤمنين الذين ذلك صفتهم من العرب والعجم وأهل الكتابين سواهم ، وإنما هذه صفة صنف من الناس ، والمؤمن بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله هو المؤمن بالغيب . قالوا : وإنما وصفهم الله بالإِيمان بما أنزل إلى محمد وبما أنزل إلى من قبله بعد تقضي وصفه إياهم بالإِيمان بالغيب ؛ لأَن وصفه إياهم بما وصفهم به من الإِيمان بالغيب كان معنيا به أنهم يؤمنون بالجنة والنار والبعث ، وسائر الأَمور التي كلفهم الله جل ثناؤه بالإِيمان بها مما لم يروه ولم يأت بعد مما هو آت ، دون الإِخبار عنهم أنهم يؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله من