محمد بن جرير الطبري
80
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الرسل والكتب . قالوا : فلما كان معنى قوله وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ غير موجود في قوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ كانت الحاجة من العباد إلى معرفة صفتهم بذلك ليعرفهم نظير حاجتهم إلى معرفتهم بالصفة التي وصفوا بها من إيمانهم بالغيب ليعلموا ما يرضي الله من أفعال عباده ، ويحبه من صفاتهم ، فيكونوا به إن وفقهم له ربهم ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو بن العباس الباهلي ، قال : حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون المكي ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة في المنافقين . حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : حدثنا أبي عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد بمثله . وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال حدثنا موسى بن مسعود ، قال : حدثنا شبل ، عن أبن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . وحدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر عن الربيع بن أنس ، قال : أربع آيات من فاتحة هذه السورة يعني سورة البقرة في الذين آمنوا ، وآيتان في قادة الأَحزاب . وأولى القولين عندي بالصواب وأشبههما بتأويل الكتاب ، القول الأَول ، وهو : أن الذين وصفهم الله تعالى ذكره بالإِيمان بالغيب ، وما وصفهم به جل ثناؤه في الآيتين الأَولتين غير الذين وصفهم بالإِيمان بالذي أنزل على محمد والذي أنزل إلى من قبله من الرسل ؛ لما ذكرت من العلل قبل لمن قال ذلك ، ومما يدل أيضا مع ذلك على صحة هذا القول أنه جنس بعد وصف المؤمنين بالصفتين اللتين وصف ، وبعد تصنيفه إلى كل صنف منهما على ما صنف الكفار جنسين ، فجعل أحدهما مطبوعا على قلبه مختوما عليه مأيوسا من إيمانه ، والآخر منافقا يرائي بإظهار الإِيمان في الظاهر ، ويستسر النفاق في الباطن ، فصير الكفار جنسين كما صير المؤمنين في أول السورة جنسين . ثم عرف عباده نعت كل صنف منهم وصفتهم وما أعد لكل فريق منهم من ثواب أو عقاب ، وذم أهل الذم منهم وشكر سعي أهل الطاعة منهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَيُقِيمُونَ إقامتها إقامة الصلاة : أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فيها على ما فرضت عليه ، كما يقال : أقام القوم سوقهم ، إذا لم يعطلوها من البيع والشراء فيها ، وكما قال الشاعر : أقمنا لأَهل العراقين سوق الض * ضراب فحاسوا وولوا جميعا وكما حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ قال : الذين يقيمون الصلاة بفروضها حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد عن بشر بن عمار ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ قال : إقامة الصلاة : تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإِقبال عليها فيها . القول في تأويل قوله تعالى : الصَّلاةَ حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا جويبر عن الضحاك في قوله : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني الصلاة المفروضة . وأما الصلاة في كلام العرب فإنها الدعاء كما قال الأَعشى : لها حارس لا يبرح الدهر بيتها * وإن ذبحت صلى عليها وزمزما يعني بذلك : دعا لها ، وكقول الآخر أيضا وقابلها الريح في دنها * وصلى على دنها وارتسم