محمد بن جرير الطبري
4
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إلينا من اتفاق الحجة فيما اتفقت عليه الأمة واختلافها فيما اختلفت فيه منه ومبينو علل كل مذهب من مذاهبهم وموضحو الصحيح لدينا من ذلك بأوجز ما أمكن من الإيجاز في ذلك وأخصر ما أمكن من الاختصار فيه واللّه نسأل عونه وتوفيقه لما يقرّب من محابه ويبعد من مساخطه وصلى اللّه على صفوته من خلقه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا وان أول ما نبدأ به من القيل في ذلك الإبانة عن الأسباب التي البداية بها أولى وتقديمها قبل ما عداها أحرى وذلك البيان عما في آي القرآن من المعاني التي من قبلها يدخل اللبس على من لم يعان رياضة العلوم العربية ولم تستحكم معرفته بتصاريف وجوه منطق الألسن السليقية الطبيعية ( القول في البيان عن اتفاق معاني آي القرآن ومعاني منطق من نزل بلسانه من وجه البيان والدلالة على أن ذلك من اللّه جل وعز هو الحكمة البالغة مع الإبانة عن فضل المعنى الذي به باين القرآن سائر الكلام ) قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه اللّه ان من عظيم نعم اللّه على عباده وجسيم مننه على خلقه ما منحهم من فضل البيان الذي به عن ضمائر صدورهم يبينون وبه على عزائم نفوسهم يدلون فذلل به منهم الألسن وسهل به عليهم المستصعب فبه إياه يوحدون وإياه به يسبحون ويقدّسون وإلى حاجاتهم به يتوصلون وبه بينهم يتحاورون فيتعارفون ويتعاملون ثم جعلهم جل ذكره فيما منحهم من ذلك طبقات ورفع بعضهم فوق بعض درجات فبين خطيب مسهب وذلق اللسان مهذب ومعجم عن نفسه لا يبين وعىّ عن ضمير قلبه لا يعبر وجعل أعلاهم فيه رتبه وأرفعهم فيه درجه أبلغهم فيما أراد به بلاغا وأبينهم عن نفسه به بيانا ثم عرّفهم في تنزيله ومحكم آي كتابه فضل ما حباهم به من البيان على من فضلهم به عليه من ذي إليكم والمستعجم اللسان فقال تعالى ذكره أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين فقد وضح إذا لذوي الافهام وتبين لأولي الألباب أن فضل أهل البيان على أهل إليكم والمستعجم اللسان بفضل اقتدار هذا من نفسه على إبانة ما أراد إبانته عن نفسه ببيانه واستعجام لسان هذا عما حاول إبانته بلسانه فإذا كان ذلك كذلك وكان المعنى الذي به باين الفاضل المفضول في ذلك فصار به فاضلا والآخر مفضولا هو ما وصفنا من فضل إبانة ذي البيان عما قصر عنه المستعجم اللسان وكان ذلك مختلف الاقدار متفاوت الغايات والنهايات فلا شك أن أعلى منازل البيان درجه وأسنى مراتبه مرتبه أبلغه في حاجة المبين عن نفسه وأبينه عن مراد قائله وأقربه من فهم سامعه فان تجاوز ذلك المقدار وارتفع عن وسع الأنام وعجز عن أن يأتي بمثله جميع العباد كان حجة وعلما لرسل الواحد القهار كما كان حجة وعلما لها إحياء الموتى وإبراء الأبرص وذوى العمى بارتفاع ذلك عن مقادير أعلى منازل طب المتطببين وأرفع مراتب علاج المعالجين إلى ما يعجز عنه جميع العالمين وكالذي كان لها حجة وعلما قطع مسافة شهرين في الليلة الواحدة بارتفاع ذلك عن وسع الأنام وتعذر مثله على جميع العباد وان كانوا