محمد بن جرير الطبري

5

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

على قطع القليل من المسافة قادرين ولليسير منه فاعلين فإذا كان ما وصفنا من ذلك كالذي وصفنا نبين أن لا بيان أبين ولا حكمة أبلغ ولا منطق أعلى ولا كلام أشرف من بيان ومنطق تحدّى به امرؤ قوما في زمان هم فيه رؤساء صناعة الخطب والبلاغة وقيل الشعر والفصاحة والسجع والكهانة كل خطيب منهم وبليغ وشاعر منهم وفصيح وكل ذي سجع وكهانة فسفه أحلامهم وقصر معقولهم وتبرأ من دينهم ودعا جميعهم إلى اتباعه والقبول منه والتصديق به والإقرار بأنه رسول إليهم من ربهم وأخبرهم أن دلالته على صدق مقالته وحجته على حقيقة نبوّته ما أتاهم به من البيان والحكمة والفرقان بلسان مثل ألسنتهم ومنطق موافقة معانيه معاني منطقهم ثم أنبأ جميعهم أنهم عن أن يأتوا بمثل بعضه عجزة ومن القدرة عليه نقصة فأقر جميعهم بالعجز وأذعنوا له بالتصديق وشهدوا على أنفسهم بالنقص الا من تجاهل منهم وتعامى واستكبر وتعاشى فحاول تكلف ما قد علم أنه عنه عاجز ورام ما قد تيقن أنه عليه غير قادر فأبدى من ضعف عقله ما كان مستورا ومن عىّ لسانه ما كان مصونا فأتى بما لا يعجز عنه الضعيف الأخرق والجاهل الأحمق فقال والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا فالخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما ونحو ذلك من الحماقات المشبهة دعواه الكاذبة فإذا كان تفاضل مراتب البيان وتباين منازل درجات الكلام بما وصفنا قبل وكان اللّه تعالى ذكره وتقدّست أسماؤه أحكم الحكماء وأحلم الحلماء كان معلوما أن أبين البيان بيانه وأفضل الكلام كلامه وأن قدر فضل بيانه جل ذكره على بيان جميع خلقه كفضله على جميع عباده فإن كان ذلك كذلك وكان غير مبين مناعن نفسه من خاطب غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب كان معلوما أنه غير جائز أن يخاطب جل ذكره أحدا من خلقه الا بما يفهمه المخاطب ولا يرسل إلى أحد منهم رسولا برسالة الا بلسان وبيان يفهمه المرسل اليه لان المخاطب والمرسل اليه ان لم يفهم ما خوطب به وأرسل به اليه فحاله قبل الخطاب وقبل مجىء الرسالة اليه وبعده سواء إذ لم يفده الخطاب والرسالة شيأ كان به قبل ذلك جاهلا واللّه جل ذكره يتعالى عن أن يخاطب خطابا أو يرسل رسالة لا توجب فائدة لمن خوطب أو أرسلت اليه لان ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث واللّه تعالى عن ذلك متعال ولذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله وما أرسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم وقال لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم وما أنزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون فغير جائز أن يكون به مهتد يا من كان بما يهدى اليه جاهلا فقد تبين إذا بما عليه دللنا من الدلالة أن كل رسول للّه جل ثناؤه أرسله إلى قوم فإنما أرسله بلسان من أرسله اليه وكل كتاب أنزله على نبي ورسالة أرسلها إلى أمة فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله اليه واتضح بما قلنا ووصفنا أن كتاب اللّه الذي أنزله إلى نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم بلسان محمد صلى اللّه عليه وسلم وإذا كان لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم عربيا فبين أن القرآن عربى وبذلك أيضا نطق محكم تنزيل ربنا فقال