محمد بن جرير الطبري
74
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الإِبانة التي وصف الله عز وجل بها القرآن ، فقال تعالى ذكره : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ . وأنى يكون مبينا ما لا يعقله ولا يفقهه أحد من العالمين في قول قائل هذه المقالة ، ولا يعرف في منطق أحد من المخلوقين في قوله ؟ وفي إخبار الله جل ثناؤه عنه أنه عربي مبين ما يكذب هذه المقالة ، وينبئ عنه أن العرب كانوا به عالمين وهو لها مستبين . فذلك أحد أوجه خطئه . والوجه الثاني من خطئه في ذلك : إضافته إلى الله جل ثناؤه أنه خاطب عباده بما لا فائدة لهم فيه ولا معنى له من الكلام الذي سواء الخطاب به وترك الخطاب به ، وذلك إضافة العبث الذي هو منفي في قول جميع الموحدين عن الله ، إلى الله تعالى ذكره . والوجه الثالث من خطئه : أن " بل " في كلام العرب مفهوم تأويلها ومعناها ، وأنها تدخلها في كلامها رجوعا عن كلام لها قد تقضى كقولهم : ما جاءني أخوك بل أبوك ؛ وما رأيت عمرا بل عبد الله ، وما أشبه ذلك من الكلام ، كما قال أعشى بني ثعلبة : ولأَشربن ثمانيا وثمانيا * وثلاث عشرة واثنتين وأربعا ومضى في كلمته حتى بلغ قوله : بالجلسان وطيب أردانه * بالون يضرب لي يكد الأَصبعا ثم قال : بل عد هذا في قريض غيره * اذكر فتى سمح الخليقة أروعا فكأنه قال : دع هذا وخذ في قريض غيره . ف " بل " إنما يأتي في كلام العرب على هذا النحو من الكلام . فأما إفساحا لكلامها مبتدأ بمعنى التطويل والحذف من غير أن يدل على معنى ، فذلك مما لا نعلم أحدا ادعاه من أهل المعرفة بلسان العرب ومنطقها ، سوى الذي ذكرت قوله ، فيكون ذلك أصلا يشبه به حروف المعجم التي هي فواتح سور القرآن التي افتتحت بها لو كان له مشبهة ، فكيف وهي من الشبه به بعيدة ؟ القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ الْكِتابُ قال عامة المفسرين : تأويل قول الله تعالى : ذلِكَ الْكِتابُ هذا الكتاب . ذكر من قال ذلك : حدثني هارون بن إدريس الأَصم الكوفي ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ذلِكَ الْكِتابُ قال : هو هذا الكتاب . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : أخبرنا خالد الحذاء ، عن عكرمة ، قال : ذلِكَ الْكِتابُ هذا الكتاب . حدثنا أحمد بن إسحاق الأَهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري قال : حدثنا الحكم بن ظهير ، عن السدي في قوله : ذلِكَ الْكِتابُ قال : هذا الكتاب . حدثنا القاسم بن الحسن ، قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج قوله : ذلِكَ الْكِتابُ هذا الكتاب . قال : قال ابن عباس : ذلِكَ الْكِتابُ هذا الكتاب . فإن قال قائل : وكيف يجوز أن يكون " ذلك " بمعنى " هذا " ؟ و " هذا " لا شك إشارة إلى حاضر معاين ، و " ذلك " إشارة إلى غائب غير حاضر ولا معاين ؟ قيل : جاز ذلك لأَن كل ما تقضى وقرب تقضيه من الأَخبار فهو وإن صار بمعنى غير الحاضر ، فكالحاضر عند المخاطب ؛ وذلك كالرجل يحدث الرجل الحديث ، فيقول السامع : إن ذلك والله لكما قلت ، وهذا والله كما قلت ، وهو والله كما ذكرت . فيخبر عنه مرة بمعنى الغائب إذ كان قد تقضى ومضى ، ومرة بمعنى الحاضر لقرب جوابه من كلام مخبره كأنه غير منقض ، فكذلك ذلك في قوله : ذلِكَ الْكِتابُ لأَنه جل ذكره لما قدم قبل ذلك الكتاب ألم التي ذكرنا تصرفها في وجوهها من المعاني على ما وصفنا ، قال لنبيه صلى الله