محمد بن جرير الطبري
70
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ليست من البيت ولا داخلة في وزنه ، ولكن ليدل به على قطع كلام وابتداء آخر . وأما الذين قالوا : ذلك حروف مقطعة بعضها من أسماء الله عز وجل ، وبعضها من صفاته ، ولكل حرف من ذلك معنى غير معنى الحرف الآخر . فإنهم نحوا بتأويلهم ذلك نحو قول الشاعر : قلنا لها قفي لنا قالت قاف * لا تحسبي أنا نسينا الإِيجاف يعني بقوله : قالت قاف : قالت قد وقفت . فدلت بإظهار القاف من وقفت على مرادها من تمام الكلمة التي هي " وقفت " ، فصرفوا قوله : ألم وما أشبه ذلك إلى نحو هذا المعنى ، فقال بعضهم : الأَلف ألف " أنا " ، واللام لام " الله " ، والميم ميم " أعلم " ، وكل حرف منها دال على كلمة تامة . قالوا : فجملة هذه الحروف المقطعة إذا ظهر مع كل حرف منهن تمام حروف الكلمة " أنا " الله أعلم " . قالوا : وكذلك سائر جميع ما في أوائل سور القرآن من ذلك ، فعلى هذا المعنى وبهذا التأويل . قالوا : ومستفيض ظاهر في كلام العرب أن ينقص المتكلم منهم من الكلمة الأَحرف إذا كان فيما بقي دلالة على ما حذف منها ، ويزيد فيها ما ليس منها إذا لم تكن الزيادة ملسة معناها على سامعها كحذفهم في النقص في الترخيم من " حارث " " الثاء " فيقولون : يا حار ، ومن " مالك " " الكاف " فيقولون : يا مال ، وأما أشبه ذلك . وكقول راجزهم ما للظليم عال كيف لا يا * ينقذ عنه جلده إذا يا كأنه أراد أن يقول : إذا يفعل كذا وكذا ، فاكتفى بالياء من يفعل . . وكما قال آخر منهم : بالخير خيرات وإن شرا فا يريد فشرا . ولا أريد الشر إلا أن تا يريد إلا أن تشاء . فاكتفى بالتاء والفاء في الكلمتين جميعا من سائر حروفهما ، وما أشبه ذلك من الشواهد التي يطول الكتاب باستيعابه . وكما : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن أيوب وابن عون ، عن محمد ، قال : لما مات يزيد بن معاوية ، قال لي عبدة : إني لا أراها إلا كائنة فتنة فافزع من ضيعتك والحق بأهلك قلت : فما تأمرني ؟ قال : أحب إلي لك أن تا قال أيوب وابن عون بيده تحت خده الأَيمن يصف الاضطجاع حتى ترى أمرا تعرفه قال أبو جعفر : يعني ب " تا " تضطجع ، فاجتزأ بالتاء من تضطجع . وكما قال الآخر في الزيادة في الكلام على النحو الذي وصفت : أقول إذ خرت على الكلكال * يا ناقتي ما جلت من مجال يريد الكلكل . وكما قال الآخر : إن شكلي وإن شكلك شتى * فالزمي الخص ، واخفضي تبيضضي فزاد ضادا وليست في الكلمة . قالوا : فكذلك ما نقص من تمام حروف كل كلمة من هذه الكلمات التي ذكرنا أنها تتمة حروف ألم ونظائرها ، نظير ما نقص من الكلام الذي حكيناه عن العرب في أشعارها وكلامها . وأما الذين قالوا : كل حرف من ألم ونظائرها دال على معان شتى نحو الذي ذكرنا عن الربيع بن انس ، فإنهم وجهوا ذلك إلى مثل الذي وجهه إليه من قال هو بتأويل : " أنا الله أعلم " في أن كل حرف منه بعض حروف كلمة تامة استغني بدلالته على تمامه عن ذكر تمامه ، وإن كانوا له مخالفين في كل حرف من ذلك ، أهو من الكلمة التي ادعى أنه منها قائلوا لقول الأَول أم من غيرها ؟ فقالوا : بل الأَلف من ألم من كلمات شتى هي دالة على معاني جميع ذلك وعلى تمامه . قالوا : وإنما أفرد كل حرف من ذلك وقصر به عن تمام حروف الكلمة أن جميع حروف الكلمة لو أظهرت لم تدل