محمد بن جرير الطبري

71

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الكلمة التي تظهر التي بعض هذه الحروف المقطعة بعض لها ، إلا على معنى واحد لا على معنيين وأكثر منهما . قالوا : وإذا كان لا دلالة في ذلك لو أظهر جميعها إلا على معناها الذي هو معنى واحد ، وكان الله جل ثناؤه قد أراد الدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة لشيء واحد ، لم يجز إلا أن يفرد الحرف الدال على تلك المعاني ، ليعلم المخاطبون به أن الله عز وجل لم يقصد قصد معنى واحد ودلالة على شيء واحد بما خاطبهم به ، وأنه إنما قصد الدلالة به على أشياء كثيرة . قالوا : فالأَلف من ألم مقتضية معاني كثيرة ، منها : إتمام اسم الرب الذي هو الله ، وتمام اسم نعماء الله التي هي آلاء الله ، والدلالة على أجل قوم أنه سنة ، إذا كانت الأَلف في حساب الجمل واحدا . واللام مقتضية تمام اسم الله الذي هو لطيف ، وتمام اسم فضله الذي هو لطف ، والدلالة على أجل قوم أنه ثلاثون سنة . والميم مقتضية تمام اسم الله الذي هو مجيد ، وتمام اسم عظمته التي هي مجد ، والدلالة على أجل قوم أنه أربعون سنة . فكان معنى الكلام في تأويل قائل القول الأَول : أن الله جل ثناؤه افتتح كلامه بوصف نفسه بأنه العالم الذي لا يخفى عليه شيء ، وجعل ذلك لعباده منهجا يسلكونه في مفتتح خطبهم ورسائلهم ومهم أمورهم ، وابتلاء منه لهم ليستوجبوا به عظيم الثواب في دار الجزاء ، كما افتتح بالحمد لله رب العالمين ، و الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وما أشبه ذلك من السور التي جعل مفاتحها الحمد لنفسه . وكما جعل مفاتح بعضها تعظيم نفسه وإجلالها بالتسبيح كما قال جل ثناؤه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن التي جعل مفاتح بعضها تحميد نفسه ، ومفاتح بعضها تمجيدها ، ومفاتح بعضها تعظيمها وتنزيهها . فكذلك جعل مفاتح السور الأَخرى التي أوائلها بعض حروف المعجم مدائح نفسه أحيانا بالعلم ، وأحيانا بالعدل والإِنصاف ، وأحيانا بالإِفضال والإِحسان بإيجاز واختصار ، ثم اقتصاص الأَمور بعد ذلك . وعلى هذا التأويل يجب أن يكون الأَلف واللام والميم في أماكن الرفع مرفوعا بعضها ببعض دون قوله : ذلِكَ الْكِتابُ ويكون ذلك الكتاب خبر مبتدأ منقطعا عن معنى ألم ، وكذلك " ذلك " في تأويل قول قائل هذا القول الثاني مرفوع بعضه ببعض ، وإن كان مخالفا معناه معنى قول قائل القول الأَول . وأما الذين قالوا : هن حروف من حروف حساب الجمل دون ما خالف ذلك من المعاني ، فإنهم قالوا : لا نعرف للحروف المقطعة معنى يفهم سوى حساب الجمل وسوى تهجي قول القائل : ألم . وقالوا : غير جائز أن يخاطب الله جل ثناؤه عباد إلا بما يفهمونه ويعقلونه عنه . فلما كان ذلك كذلك وكان قوله : ألم لا يعقل لها وجه توجه إليه إلا أحد الوجهين اللذين ذكرنا ، فبطل أحد وجهيه ، وهو أن يكون مرادا بها تهجي . ألم صح وثبت أنه مراد به الوجه الثاني وهو حساب الجمل ؛ لأَن قول القائل : ألم لا يجوز أن يليه من الكلام ذلك الكتاب لاستحالة معنى الكلام وخروجه عن المعقول إذا ولي ألم ذلك الكتاب . واحتجوا لقولهم ذلك أيضا بما : حدثنا به محمد بن حميد الرازي ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل . قال : حدثني محمد بن إسحاق ، قال : حدثني الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، عن جابر بن عبد الله بن رئاب ، قال : مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة : ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من يهود فقال : تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله عز وجل عليه : ألم ذلِكَ الْكِتابُ فقالوا : أنت سمعته ؟ قال : نعم فمشى حيي بن أخطب في أولئك