محمد بن جرير الطبري

69

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أنها في " أبي جاد " ، إذ كان ذاك من قوله يدل سامعه على ما يدله عليه قوله : لما رأيت أمرها في أبي جاد . وقال آخرون : بل ابتدئت بذلك أوائل السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين ، إذ تواصوا بالإِعراض عن القرآن ، حتى إذا استمعوا له تلي عليهم المؤلف منه . . وقال بعضهم : الحروف التي هي فواتح السور حروف يستفتح الله بها كلامه . فإن قيل : هل يكون من القرآن ما ليس له معنى ؟ فإن معنى هذا أنه افتتح بها ليعلم أن السورة التي قبلها قد انقضت ، وأنه قد أخذ في أخرى ، فجعل هذا علامة انقطاع ما بينهما ، وذلك في كلام العرب ينشد الرجل منهم الشعر فيقول : بل . . . . وبلدة ما الإِنس من آهالها ويقول : لا بل . . . ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا و " بل " ليست من البيت ولا تعد في وزنه ، ولكن يقطع بها كلاما ويستأنف الآخر . قال أبو جعفر : ولكل قول من الأَقوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في ذلك وجه معروف . فأما الذين قالوا : ألم اسم من أسماء القرآن ، فلقولهم ذلك وجهان : أحدهما أن يكونوا أرادوا أن : ألم اسم للقرآن كما الفرقان اسم له . وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك ، كان تأويل قوله : ألم ذلك الكتاب على معنى القسم ؛ كأنه قال : والقرآن هذا الكتاب لا ريب فيه . والآخر منهما أن يكونوا أرادوا أنه اسم من أسماء السورة التي تعرف به كما تعرف سائر الأَشياء بأسمائها التي هي لها أمارات تعرف بها ، فيفهم السامع من القائل يقول : قرأت اليوم المص و ن أي السورة التي قرأها من سور القرآن ، كما يفهم عنه إذا قال : لقيت اليوم عمرا وزيدا ، وهما بزيد وعمر وعارفان من الذي لقي من الناس . وإن أشكل معنى ذلك على امرئ فقال : وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك ونظائر ألم المر في القرآن جماعة من السور ؟ وإنما تكون الأَسماء أمارات ، إذا كانت مميزة بين الأَشخاص ، فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات . قيل : إن الأَسماء وإن كانت قد صارت لاشتراك كثير من الناس في الواحد منها غير مميزة إلا بمعان أخر معها من ضم نسبة المسمى بها إليها أو نعته أو صفته بما يفرق بينه وبين غيره من أشكالها ، فإنها وضعت ابتداء للتمييز لا شك ثم احتيج عند الاشتراك إلى المعاني المفرقة بين المسمى بها . فكذلك ذلك في أسماء السور ، جعل كل اسم في قول قائل هذه المقالة أمارة للمسمى به من السور فلما شارك المسمى به فيه غيره من سور القرآن احتاج المخبر عن سورة منها أن يضم إلى اسمها المسمى به من ذلك ما يفرق به للسامع بين الخبر عنها وعن غيرها من نعت وصفة أو غير ذلك ، فيقول المخبر عن نفسه إنه تلا سورة البقرة إذا سماها باسمها الذي هو ألم قرأت " ألم البقرة " ، وفي آل عمران : قرأت " ألم آل عمران " ، و " ألم ذلك الكتاب " و " ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم " . كما لو أراد الخبر عن رجلين اسم كل واحد منهما عمرو ، غير أن أحدهما تميمي والآخر أزدي ، للزمه أن يقول لمن أراد إخباره عنهما : لقيت عمرا التميمي وعمرا الأَزدي ، إذ كان لا فرق بينهما وبين غيرهما ممن يشاركهما في أسمائهما إلا بنسبتهما كذلك ، فكذلك ذلك في قول من تأول في الحروف المقطعة أنها أسماء للسور . وأما الذين قالوا : ذلك فواتح يفتتح الله عز وجل بها كلامه ، فإنهم وجهوا ذلك إلى نحو المعنى الذي حكيناه عمن حكينا عنه من أهل العربية أنه قال : ذلك أدلة على انقضاء سورة وابتداء في أخرى وعلامة لانقطاع ما بينهما ، كما جعلت " بل " في ابتداء قصيدة دلالة على ابتداء فيها وانقضاء أخرى قبلها كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداء في إنشاد قصيد ة ، قالوا : بل . . . . ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا و " بل "