محمد بن جرير الطبري

68

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حرف اشتق من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه . حدثنا محمد بن معمر ، قال : حدثنا عباس بن زياد الباهلي ، قال : حدثنا شعبة عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ألم و حم و ن قال : اسم مقطع . وقال بعضهم : هي حروف هجاء موضوع . ذكر من قال ذلك : حدثت عن منصور بن أبي نويرة ، قال : حدثنا أبو سعيد المؤدب ، عن خصيف ، عن مجاهد ، قال : فواتح السور كلها ق و ص و حم و طسم و الر وغير ذلك هجاء موضوع . وقال بعضهم : هي حروف يشتمل كل حرف منها على معان شتى مختلفة ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي قال : حدثني أبي أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس في قول الله تعالى ذكره : ألم قال : هذه الأَحرف من التسعة والعشرين حرفا ، دارت فيها الأَلسن كلها ، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه ، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه ، وليس منها حرف إلا وهو مدة قوم وآجالهم . وقال عيسى ابن مريم : " وعجيب ينطقون في أسمائه ، ويعيشون في رزقه ، فكيف يكفرون " ؟ قال : الأَلف : مفتاح اسمه " الله " ، واللام : مفتاح اسمه " لطيف " ، والميم : مفتاح اسمه " مجيد " ؛ والأَلف : آلاء الله ، واللام : لطفه ، والميم : مجده ؛ الآلف : سنة ، واللام ثلاثون سنة ، والميم : أربعون سنة . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا حكام عن أبي جعفر ، عن الربيع بنحوه . وقال بعضهم : هي حروف من حساب الجمل ، كرهنا ذكر الذي حكي ذلك عنه ، إذ كان الذي رواه ممن لا يعتمد على روايته ونقله ، وقد مضت الرواية بنظير ذلك من القول عن الربيع بن أنس . وقال بعضهم : لكل كتاب سر ، وسر القرآن فواتحه . وأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى ذلك ، فقال بعضهم : هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا ، كما استغنى المخبر عمن أخبر عنه أنه في حروف المعجم الثمانية والعشرين بذكر " أب ت ث " عن ذكر بواقي حروفها التي هي تتمة الثمانية والعشرين ، قال : ولذلك رفع ذلِكَ الْكِتابُ لأَن معنى الكلام : الأَلف واللام والميم من الحروف المقطعة ذلِكَ الْكِتابُ الذي أنزلته إليك مجموعا لا رَيْبَ فِيهِ . فإن قال قائل : فإن " أب ت ث " قد صارت كالاسم في حروف الهجاء كما صارت الحمد اسما لفاتحة الكتاب . قيل له : لما كان جائزا أن يقول القائل : ابني في " ط ظ " ، وكان معلوما بقيله ذلك لو قاله أنه يريد الخبر عن ابنه أنه في الحروف المقطعة ، علم بذلك أن " أب ت ث " ليس لها باسم ، وإن كان ذلك آثر في الذكر من سائرها . قال : وإنما خولف بين ذكر حروف المعجم في فواتح السور ، فذكرت في أوائلها مختلفة ، وذكرها إذا ذكرت بأوائلها التي هي " أب ت ث " مؤتلفة ليفصل بين الخبر عنها ، إذا أريد بذكر ما ذكر منها مختلفا الدلالة على الكلام المتصل ، وإذا أريد بذكر ما ذكر منها مؤتلفا الدلالة على الحروف المقطعة بأعيانها . واستشهدوا لإِجازة قول القائل : ابني في " ط ظ " ، وما أشبه ذلك من الخبر عنه أنه في حروف المعجم ، وأن ذلك من قيله في البيان يقوم مقام قوله : " ابني في أب ت ث " برجز بعض الرجاز من بني أسد : لما رأيت أمرها في حطي * وفنكت في كذب ولط أخذت منها بقرون شمط * فلم يزل ضربي بها ومعطي حتى علا الرأس دم يغطي فزعم أنه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنها في " أبي جاد " ، فأقام قوله : " لما رأيت أمرها في حطي " مقام خبره عنها