محمد بن جرير الطبري

48

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تخب إلى النعمان حتى تناله * فدى لك من رب تليدى وطارفى والرجل المصلح للشيء يدعى ربا . ومنه قول الفرزدق بن غالب : كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت * سلاءها في أديم غير مربوب يعني بذلك في أديم غير مصلح . ومن ذلك قيل : إن فلانا يرب صنيعته عند فلان ، إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها . ومن ذلك قول علقمة بن عبدة : فكنت امرأ أفضت إليك ربابتي * وقبلك ربتني فضعت ربوب يعنى بقوله أفضت إليك : أي أوصلت إليك ربابتي ، فصرت أنت الذي ترب أمري فتصلحه لما خرجت من ربابة غيرك من الملوك الذين كانوا قبلك علي ، فضيعوا أمري وتركوا تفقده . وهم الربوب وأحدهم رب ؛ والمالك للشيء يدعى ربه . وقد يتصرف أيضا معنى الرب في وجوه غير ذلك ، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة . ف رب نا جل ثناؤه ، السيد الذي لا شبه له ، ولا مثل في سؤدده ، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه ، والمالك الذي له الخلق والأَمر . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله جل ثناؤه رَبِّ الْعالَمِينَ جاءت الرواية عن ابن عباس حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن سارة ، قال : حدثنا أبو روق عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد : " يا محمد قل الحمد لله رب العالمين " . قال ابن عباس : يقول قل الحمد لله الذي له الخلق كله ، السماوات كلهن ومن فيهن ، والأَرضون كلهن ومن فيهن وما بينهن ، مما يعلم ومما لا يعلم . يقول : اعلم يا محمد أن ربك هذا لا يشبهه شيء . القول في تأويل قوله تعالى : الْعالَمِينَ قال أبو جعفر : والعالمون جمع عالم ، والعالم جمع لا واحد له من لفظه ، كالأَنام والرهط والجيش ونحو ذلك من الأَسماء التي هي موضوعات على جماع لا واحد له من لفظه . والعالم اسم لأَصناف الأَمم ، وكل صنف منها عالم ، وأهل كل قرن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان ، فالإِنس عالم وكل أهل زمان منهم عالم ذلك الزمان . والجن عالم ، وكذلك سائر أجناس الخلق ، كل جنس منها عالم زمانه . ولذلك جمع فقيل " عالمون " ، وواحده جمع لكون عالم كل زمان من ذلك عالم ذلك الزمان . ومن ذلك قول العجاج : فخندف هامة هذا العالم فجعلهم عالم زمانه . وهذا القول الذي قلناه قول ابن عباس وسعيد بن جبير ، وهو معنى قول عامة المفسرين . حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق عن الضحاك ، عن ابن عباس : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الحمد لله الذي له الخلق كله ، السماوات والأَرض ومن فيهن وما بينهن ، مما يعلم ولا يعلم . وحدثني محمد بن سنان القزاز ، قال حدثنا أبو عاصم ، عن شبيب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : رَبِّ الْعالَمِينَ : الجن والإِنس . وحدثني علي بن الحسن ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن ، قال : حدثنا مصعب ، عن قيس بن الربيع ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قول الله جل وعز : رَبِّ الْعالَمِينَ قال : رب الجن والإِنس . وحدثنا أحمد بن إسحاق بن عيسى الأَهوازي ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبير ، قال : حدثنا قيس ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، قوله : رَبِّ الْعالَمِينَ قال : الجن والإِنس . وحدثني أحمد بن عبد الرحيم البرقي ، قال : حدثني ابن أبي مريم ، عن ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، قوله : رَبِّ الْعالَمِينَ قال : ابن أدم ، والجن والإِنس كل أمة منهم عالم على