محمد بن جرير الطبري
47
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
على خلقه ، بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كفء لها في الدين والدنيا والعاجل والآجل . ولذلك من المعنى ، تتابعت قراءة القراءة وعلماء الأَمة على رفع الحمد من : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ دون نصبها ، الذي يؤدي إلى الدلالة على أن معنى تاليه كذلك : أحمد الله حمدا . ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب ، لكان عندي محيلا معناه ومستحقا العقوبة على قراءته إياه كذلك إذا تعمد قراءته كذلك وهو عالم بخطئه وفساد تأويله . فإن قال لنا قائل : وما معنى قوله : الحمد لله ؟ أحمد الله نفسه جل ثناؤه فأثنى عليها ، ثم علمناه لنقول ذلك كما قال ووصف به نفسه ؟ فإن كان ذلك كذلك ، فما وجه قوله تعالى ذكره إذا : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهو عز ذكره معبود لا عابد ؟ أم ذلك من قيل جبريل أو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقد بطل أن يكون ذلك لله كلاما . قيل : بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه ؛ ولكنه جل ذكره حمد نفسه وأثنى عليها بما هو له أهل ، ثم علم ذلك عباده وفرض عليهم تلاوته ، اختبارا منه لهم وابتلاء ، فقال لهم : قولوا والحمد لله رب العالمين " وقولوا : " إياك نعبد وإياك نستعين " ؛ فقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ مما علمهم جل ذكره أن يقولوه ويدينوا له بمعناه . وذلك موصول بقوله الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وكأنه قال : قولوا هذا وهذا . فإن قال : وأين قوله : " قولوا " فيكون تأويل ذلك ما ادعيت ؟ قيل : قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها إذا عرفت مكان الكلمة ولم تشك أن سامعها يعرف بما أظهرت من منطقها ما حذفت ، حذف ما كفى منه الظاهر من منطقها ، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حذفت قولا أو تأويل قول ، كما قال الشاعر : وأعلم أنني لا أكون رمسا * إذا سار النواعج لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم * فقال المخبرون لهم وزير قال أبو جعفر : يريد بذلك : فقال المخبرون لهم : الميت وزير ، فأسقط " الميت " ، إذ كان قد أتى من الكلام بما يدل على ذلك . وكذلك قول الآخر : ورأيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا وقد علم أن الرمح لا يتقلد ، وإنما أراد : وحاملا رمحا . ولكن لما كان معلوما معناه اكتفى بما قد ظهر من كلامه عن إظهار ما حذف منه . وقد يقولون للمسافر إذا ودعوه : مصاحبا معافى ، يحذفون سر واخرج ؛ إن كان معلوما معناه وإن أسقط ذكره . فكذلك ما حذف من قول الله تعالى ذكره : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لما علم بقوله جل وعز : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ما أراد بقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ من معنى أمره عباده ، أغنت دلالة ما ظهر عليه من القول عن إبداء ما حذف . وقد روينا الخبر الذي قدمنا ذكره مبتدأ في تفسير قول الله : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ عن ابن عباس ، وأنه كان يقول : إن جبريل قال لمحمد : قل يا محمد : الحمد لله رب العالمين . وبينا أن جبريل إنما علم محمدا ما أمر بتعليمه إياه . وهذا الخبر ينبئ عن صحة ما قلنا في تأويل ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : رَبِّ قال أبو جعفر : قد مضى البيان عن تأويل اسم الله الذي هو " الله " في " بسم الله " ، فلا حاجة بنا إلى تكراره في هذا الموضع . وأما تأويل قوله " رب " ، فإن الرب في كلام العرب متصرف على معان : فالسيد المطاع فيها يدعى ربا ، ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة : وأهلكن يوما رب كندة وابنه * ورب معد بين خبت وعرعر يعني رب كندة : سيد كندة . ومنه قول نابغة بني ذبيان :