محمد بن جرير الطبري

46

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أسماء الله التي منع التسمي بأسماء الله بها لعباده . حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا حماد بن مسعدة ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : التسمي بأسماء الله الرحمن اسم ممنوع . مع أن في إجماع الأَمة من منع التسمي به جميع الناس ما يغني عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره . القول في تأويل فاتحة الكتاب قال أبو جعفر : معنى : الْحَمْدُ لِلَّهِ خالصا لله جل ثناؤه دون سائر ما نعبد من دونه ، ودون كل ما برأ من خلقه ، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد ، في تصحيح الآلات لطاعته ، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأَداء فرائضه ، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق وغذاهم به من نعيم العيش من غير استحقاق منهم لذلك عليه ، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه من الأَسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم . فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وأخرا . وبما ذكرنا من تأويل قول ربنا جل ذكره وتقدست أسماؤه : الْحَمْدُ لِلَّهِ جاء الخبر عن ابن عباس وغيره : حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : قال جبريل لمحمد : " قل يا محمد : الحمد لله " . قال ابن عباس : الحمد لله : هو الشكر ، والاستخذاء لله ، والإِقرار بنعمته وهدايته وابتدائه ، وغير ذلك . وحدثني سعيد بن عمرو السكوني ، قال : حدثنا بقية بن الوليد ، قال : حدثني عيسى بن إبراهيم ، عن موسى بن أبي حبيب ، عن الحكم بن عمير وكانت له صحبة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا قلت الحمد لله رب العالمين ، فقد شكرت الله فزادك " . قال : الحكم بن عمير وقد قيل إن قول القائل : الْحَمْدُ لِلَّهِ ثناء على الله بأسمائه وصفاته الحسنى ، وقوله : " الشكر لله " ثناء عليه بنعمه وأياديه . وقد روي عن كعب الأَحبار أنه قال : " الحمد لله " ثناء على الله . ولم يبين في الرواية عنه من أي معنيي الثناء اللذين ذكرنا ذلك . حدثنا يونس بن عبد الأَعلى الصدفي ، قال : أنبأنا ابن وهب ، قال : حدثني عمر بن محمد ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، قال : أخبرني السلولي ، عن كعب قال : من قال : " الحمد لله " فذلك ثناء على الله . وحدثني علي بن الحسن الخراز ، قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي ، قال : حدثنا محمد بن مصعب القرقساني ، عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن الأَسود بن سريع ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس شيء أحب إليه الحمد من الله تعالى ، ولذلك اثنى على نفسه فقال : الحمد لله " . قال أبو جعفر : ولا تمانع بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحكم لقول القائل : الحمد لله شكرا بالصحة . فقد تبين إذ كان ذلك عند جميعهم صحيحا ، أن الحمد لله قد ينطق به في موضع الشكر ، وأن الشكر قد يوضع موضع الحمد ، لأَن ذلك لو لم يكن كذلك لما جاز أن يقال الحمد لله شكرا ، فيخرج من قول القائل " الحمد لله " مصدر " أشكر " ، لأَن الشكر لو لم يكن بمعنى الحمد ، كان خطأ أن يصدر من الحمد غير معناه وغير لفظه . فإن قال لنا قائل : وما وجه إدخال الأَلف واللام في الحمد ؟ وهلا قيل : حمدا لله رب العالمين قيل : إن لدخول الأَلف واللام في الحمد معنى لا يؤديه قول القائل " حمدا " ، بإسقاط الأَلف واللام ؛ وذلك أن دخولهما في الحمد منبئ على أن معناه : جميع المحامد والشكر الكامل لله . ولو أسقطتا منه لما دل إلا على أن حمد قائل ذلك لله ، دون المحامد كلها . إذ كان معنى قول القائل : " حمدا لله " أو " حمد لله " : أحمد الله حمدا ، وليس التأويل في قول القائل : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ تاليا سورة أم القرآن أحمد الله ، بل التأويل في ذلك ما وصفنا قبل من أن جميع المحامد لله بألوهيته وإنعامه