محمد بن جرير الطبري

38

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كل متمرد من الجن والانس والدواب وكل شئ وكذلك قال ربنا جل ثناؤه وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن فجعل من الانس شياطين مثل الذي جعل من الجن وقال عمر بن الخطاب رحمة اللّه عليه وركب برذونا فجعل يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد الا تبخترا فنزل عنه وقال ما حملتمونى الا على شيطان ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي ( حدثنا ) بذلك يونس بن عبد الأعلى قال أنبأنا ابن وهب قال خبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال أبو جعفر وانما سمى المتمرد من كل شئ شيطانا لمفارقة أخلافه وأفعاله أخلاق سائر جنسه وأفعاله وبعده من الخير وقد قيل إنه أخذ من قول القائل شطنت دارى من دارك يريد بذلك بعدت ومن ذلك قول نابغة بنى ذبيان نأت بسعاد عنك نوى شطون * فبانت والفؤاد بها رهين والنوى الوجه الذي نوته وقصدته والشطون البعيد فكأن الشيطان على هذا التأويل فيعال من شطن ومما يدل على أن ذلك كذلك قول أمية بن أبي الصلت أيما شاطن عصاه عكاه * ثم يلقى في السجن والأكبال ولو كان فعلان من شاط يشيط لقال أيما شائط ولكنه قال أيما شاطن لأنه من شطن يشطن فهو شاطن تأويل قوله الرجيم وأما الرجيم فهو فعيل بمعنى مفعول كقول القائل كف خضيب ولحية دهين ورجل لعين يريد بذلك مخضوبة ومدهونة وملعون وتأويل الرجيم الملعون المشتوم وكل مشتوم بقول ردئ أو سب فهو مرجوم وأصل الرجم الرمي بقول كان أو بفعل ومن الرجم بالقول قول أبى إبراهيم لإبراهيم صلوات اللّه عليه لئن لم تنته لأرجمنك وقد يجوز أن يكون قيل للشيطان رجيم لان اللّه جل ثناؤه طرده من سماواته ورجمه بالشهب الثواقب وقد روى عن ابن عباس أن أول ما نزل جبريل على النبي صلى اللّه عليه وسلم علمه الاستعاذة ( حدثنا ) أبو كريب قال حدثنا عثمان ابن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة قال حدثنا أبو روق عن الضحاك عن عبد اللّه بن عباس قال أول ما نزل جبريل على محمد قال يا محمد قل أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال قل بسم اللّه الرحمن الرحيم ثم قال اقرأ باسم ربك الذي خلق قال عبد اللّه وهي أول سورة أنزلها اللّه على محمد بلسان جبريل فأمره أن يتعوذ باللّه دون خلقه [ تفسير سورة الفاتحة ] القول في تأويل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ القول في تأويل بِسْمِ قال أبو جعفر : إن الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه ، أدب نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله ، تقدم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته ، وجعل ما أدبه به من ذلك وعلمه إياه منه لجميع خلقه سنة يستنون بها ، وسبيلا يتبعونه عليها ، في افتتاح أوائل منطقهم وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم ؛ حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل بِسْمِ اللَّهِ على من بطن من مراده الذي هو محذوف . وذلك أن الباء من " بسم الله " مقتضية فعلا يكون لها جالبا ، ولا فعل معها ظاهر ، فأغنت سامع القائل " بسم الله " معرفته بمراد قائله من إظهار قائل ذلك مراده قولا ، إذ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرا قد أحضر منطقه به ، إما معه وإما قبله بلا فصل ، ما قد أغنى سامعه من دلالة شاهدة على الذي من أجله أفتتح قيله به . فصار استغناء سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه ، نظير استغنائه إذا سمع قائلا قيل له : ما أكلت اليوم ؟ فقال ، طعاما ، عن أن يكرر المسؤول