محمد بن جرير الطبري

39

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

مع قوله " طعاما " أكلت ؛ لما قد ظهر لديه من الدلالة على أن ذلك معناه بتقدم مسألة السائل إياه عما أكل . فمعقول إذا أن قول القائل إذا قال : " بسم الله الرحمن الرحيم " ثم افتتح تاليا سورة ، أن اتباعه " بسم الله الرحمن الرحيم " تلاوة السورة ، ينبئ عن معنى قوله : " بسم الله الرحمن الرحيم " ومفهوم به أنه مريد بذلك أقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " وكذلك قوله : " بسم الله " عند نهوضه للقيام أو عند قعوده وسائر أفعاله ، ينبئ عن معنى مراده بقوله " بسم الله " ، وأنه أراد بقيله " بسم الله " : أقوم بسم الله ، وأقعد بسم الله ؛ وكذلك سائر الأَفعال . وهذا الذي قلنا في تأويل ذلك ، هو معنى قول ابن عباس ، الذي : حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : إن أول ما نزل به جبريل على محمد ، قال : يا محمد ، قل أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال : قل بسم الله الرحمن الرحيم قال : قال له جبريل : قل بسم الله يا محمد . يقول : أقرأ بذكر الله ربك ، وقم واقعد بذكر الله . قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فإن كأن تأويل قوله " بسم الله " ما وصفت ، والجالب " الباء " في " بسم الله " ما ذكرت ، فكيف قيل " بسم الله " ، بمعنى " أقرأ بسم الله " أو " أقوم أو أقعد بسم الله " ؟ وقد علمت أن كل قارئ كتاب الله ، فبعون الله وتوفيقه قراءته ، وأن كل قائم أو قاعد أو فاعل فعلا ، فبالله قيامه وقعوده وفعله ؟ وهلا إذا كان ذلك كذلك ، قيل : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، ولم يقل " بسم الله " فإن قول القائل : أقوم وأقعد بالله الرحمن الرحيم ، أو أقرا بالله ، أوضح معنى لسامعه من قوله " بسم الله " ، إذ كان قوله أقوم واقعد بسم الله ، يوهم سامعه أن قيامه وقعوده بمعنى غير الله . قيل له : إن المقصود إليه من معنى ذلك ، غير ما توهمته في نفسك . وإنما معنى قوله " بسم الله " : أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء ، أو أقرأ بتسمية الله ، أو أقوم وأقعد بتسمية الله وذكره ؛ لا أنه يعني بقيله " بسم الله " : أقوم بالله ، أو أقرأ بالله ؛ فيكون قول القائل : " أقرا بالله " ، و " أقوم وأقعد بالله " ، أولى بوجه الصواب في ذلك من قوله " بسم الله " . فإن قال : فإن كان الأَمر في ذلك على ما وصفت ، فكيف قيل " بسم الله " وقد علمت أن الاسم اسم ، وأن التسمية مصدر من قولك سميت ؟ . قيل : أن العرب قد تخرج المصادر مبهمة على أسماء مختلفة ، كقولهم : أكرمت فلانا كرامة ، وانما بناء مصدر " أفعلت " إذا أخرج على فعله : " الإِفعال " ، وكقولهم : أهنت فلانا هوانا ، وكلمته كلاما . وبناء مصدر " فعلت " التفعيل ، ومن ذلك قول الشاعر : أكفرا بعد رد الموت عنى * وبعد عطائك المائة الرتاعا يريد : إعطائك . ومنه قول الآخر : وإن كان هذا البخل منك سجية * لقد كنت في طولي رجاءك أسعبا يريد : في إطالتي رجاءك . ومنه قول الآخر : أظلوم إن مصابكم رجلا * أهدى السلام تحية ظلم يريد إصابتكم . والشواهد في هذا المعنى تكثر ، وفيما ذكرنا كفاية ، لمن وفق لفهمه . فإذا كان الأَمر على ما وصفنا من إخراج العرب مصادر الأَفعال على غير بناء أفعالها كثيرا ، وكان تصديرها إياها على مخارج الأَسماء موجودا فاشيا ، تبين بذلك صواب ما قلنا من التأويل في قول القائل : " بسم الله " ، أن معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول : أبدأ بتسمية الله ، قبل فعلي ، أو قبل قولي . وكذلك معنى قول