محمد بن جرير الطبري

350

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

في التوراة ، فأطلعها الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه ولم يدعه إلى إهلاكها الحسد والبغي ، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات التي وصفت من غير تعلم تعلمه من بشر ولا أخذ شيء منه عن آدمي . وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ يقول : فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك ، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا ، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه . يقول الله : ففي ذلك لهم عبرة وبيان وعليهم حجة لو كانوا يعلمون . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، وعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال ابن صوريا الفطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها فأنزل الله عز وجل : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله . القول في تأويل قوله تعالى : وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ . يعني بقوله جل ثناؤه : وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ وما يجحد بها . وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى الكفر الجحود بما أغنى عن إعادته هاهنا . وكذلك بينا معنى الفسق وأنه الخروج عن الشيء إلى غيره . فتأويل الآية : ولقد أنزلنا إليك فيما أوحينا إليك من الكتاب علامات واضحات تبين لعلماء بني إسرائيل وأحبارهم الجاحدين نبوتك والمكذبين رسالتك أنك لي رسول إليهم ونبي مبعوث ، وما يجحد تلك الآيات الدالات على صدقك ونبوتك التي أنزلتها إليك في كتابي فيكذب بها منهم ، إلا الخارج منهم من دينه ، التارك منهم فرائضي عليه في الكتاب الذي تدين بتصديقه . فأما المتمسك منهم بدينه والمتبع منهم حكم كتابه ، فإنه بالذي أنزلت إليك من آياتي مصدق . وهم الذين كانوا آمنوا بالله وصدقوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل . القول في تأويل قوله تعالى : أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً اختلف أهل العربية في حكم " الواو " التي في قوله : أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً فقال بعض نحويي البصريين : هي واو تجعل مع حروف الاستفهام ، وهي مثل " الفاء " في قوله : أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ قال : وهما زائدتان في هذا الوجه ، وهي مثل " الفاء " التي في قوله : فالله لتصنعن كذا وكذا ، وكقولك للرجل : أفلا تقوم ؛ وإن شئت جعلت الفاء والواو هاهنا حرف عطف . وقال بعض نحويي الكوفيين : هي حرف عطف أدخل عليها حرف الاستفهام . والصواب في ذلك عندي من القول أنها ولو عطف أدخلت عليها ألف الاستفهام ، كأنه قال جل ثناؤه : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ