محمد بن جرير الطبري

351

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ثم أدخل ألف الاستفهام على " وكلما " ، فقال : قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وقد بينا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله حرف لا معنى له ، فأغنى ذلك عن إعادة البيان على فساد قول من زعم أن الواو والفاء من قوله ، أَ وَكُلَّما و أَ فَكُلَّما زائدتان لا معنى لهما . وأما العهد : فإنه الميثاق الذي أعطته بنو إسرائيل ربهم ليعملن بها في التوراة مرة بعد أخرى ، ثم نقض بعضهم ذلك مرة بعد أخرى . فوبخهم جل ذكره بما كان منهم من ذلك وعير به أبناءهم إذ سلكوا منهاجهم في بعض ما كان جل ذكره أخذ عليهم بالإِيمان به من أمر محمد صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق فكفروا وجحدوا ما في التوراة من نعته وصفته ، فقال تعالى ذكره : أو كلما عاهد العهود من بني إسرائيل ربهم عهدا وأوثقوه . ميثاقا نبذه فريق منهم فتركه ونقضه ؟ كما : حدثنا أبو كريب ، قال ثنا يونس بن بكير . قال : ثنا ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال مالك بن الصيف حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد الله إليهم فيه : والله ما عهد إلينا في محمد صلى الله عليه وسلم وما أخذ له علينا ميثاقا فأنزل الله جل ثناؤه : أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قاله : ثنا محمد بن إسحاق ، قال ، حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن عكرمة مولى ابن عباس ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مثله . قال أبو جعفر : وأما النبذ فإن أصله في كلام العرب الطرح ، ولذلك قيل للملقوط المنبوذ لأَنه مطروح مرمي به ، ومنه سمي النبيذ نبيذا ، لأَنه زبيب أو تمر يطرح في وعاء ثم يعالج بالماء . وأصله مفعول صرف إلى فعيل ، أعني أن النبيذ أصله منبوذ ثم صرف إلى فعيل ، فقيل نبيذ كما قيل كفف خضيب ولحية دهين ، يعني مخضوبة ومدهونة ؛ يقال منه : نبذته أنبذه نبذا ، كما قال أبو الأَسود الدولي : نظرت إلى عنوانه فنبذته * كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا فمعنى قوله جل ذكره : نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ طرحه فريق منهم فتركه ورفضه ونقضه . كما : حدثنا بشر بن معاذ قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يقول : نقضه فريق منهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ قال : لم يكن في الأَرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ، ويعاهدون اليوم وينقضون غدا . قال : ونبذه في قراءة عبد الله : " نقضه فريق منهم " . والهاء التي في قوله : نَبَذَهُ من ذكر العهد ، فمعناه : أو كلما عاهدوا عهدا نبذ ذلك العهد فريق منهم . والفريق الجماعة لا واحد له من لفظه بمنزلة الجيش والرهط الذي لا واحد له من لفظه . والهاء والميم اللتان في قوله : فَرِيقٌ مِنْهُمْ من ذكر اليهود من بني إسرائيل . وأما قوله : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فإنه يعني جل ثناؤه : بل أكثر هؤلاء الذين كلما عاهدوا الله عهدا وواثقوه موثقا نقضه فريق منهم لا يؤمنون . ولذلك وجهان من التأويل : أحدهما : أن يكون الكلام دلالة على الزيادة والتكثير في عدد المكذبين الناقضين عهد الله على عدد الفريق ، فيكون الكلام