محمد بن جرير الطبري

341

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

" ما " تكرير عماد للفعل لا لاستقباح العرب النكرة قبل المعرفة . وقد قال بعضهم إن " هو " الذي مع " ما " كناية ذكر العمر ، كأنه قال : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ، وما ذلك العمر بمزحزحه من العذاب . وجعل " أن يعمر " مترجما عن " هو " ، يريد : ما هو بمزحزحه التعمير . وقال بعضهم : قوله : وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ نظير قولك : ما زيد بمزحزحه أن يعمر . وأقرب هذه الأَقوال عندنا إلى الصواب ما قلنا ، وهو أن يكون هو عمادا نظير قولك : ما هو قائم عمرو . وقد قال قوم من أهل التأويل : إن " أن " التي في قوله : " أن يعمر " بمعنى : وإن عمر ، وذلك قول لمعاني كلام العرب المعروف مخالف . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع عن أبي العالية : وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ يقول : وإن عمر . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع مثله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : أن يعمر ولو عمر . وأما تأويل قوله : بِمُزَحْزِحِهِ فإنه بمبعده ومنحيه ، كما قال الحطيئة : وقالوا تزحزح ما بنا فضل حاجة * إليك وما منا لوهيك راقع يعني بقوله تزحزح : تباعد ، يقال منه : زحزحه يزحزحه زحزحة وزحزاحا ، وهو عنك متزحزح : أي متباعد . فتأويل الآية : وما طول العمر بمبعده من عذاب الله ولا منحيه منه ؛ لأَنه لا بد للعمر من الفناء ومصيره إلى الله . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد فيما أروي ، عن سعيد بن جبير ، أو عن عكرمة ، عن ابن عباس : وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ أي ما هو بمنحيه من العذاب . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ يقول : وإن عمر ، فما ذاك بمغيثه من العذاب ولا منحيه . حدثني المثنى قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، مثله . حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ فهم الذين عادوا جبريل عليه السلام . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ويهود أحرص على الحياة من هؤلاء ، وقد ود هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة ، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عمر كما عمر إبليس لم ينفعه ذلك ، إذ كان كافرا ولم يزحزحه ذلك عن العذاب . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ يعني جل ثناؤه بقوله : وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ والله ذو إبصار بما يعملون ، لا يخفي عليه شيء من أعمالهم ، بل هو بجميعها محيط ولها حافظ ذاكر حتى يذيقهم بها العقاب جزاءها . وأصل بصير مبصر من قول القائل : أبصرت فأنا مبصر ؛ ولكن صرف إلى فعيل ، كما صرف مسمع إلى سميع ، وعذاب مؤلم إلى أليم ، ومبدع السماوات إلى بديع ، وما أشبه ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا على أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل ، إذ زعموا أن جبريل عدولهم ، وأن ميكائيل ولي لهم . ثم