محمد بن جرير الطبري

328

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ذلك : بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا ، ف " ما " اسم بئس ، و " أن يكفروا " الاسم الثاني . وزعم أن " أن ينزل الله من فضله " إن شئت جعلت " أن " في موضع رفع ، وإن شئت في موضع خفض . أما الرفع : فبئس الشيء هذا أن فعلوه ؛ وأما الخفض : فبئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا . قال : وقوله : لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كمثل ذلك . والعرب تجعل " ما " وحدها في هذا الباب بمنزلة الاسم التام كقوله : فَنِعِمَّا هِيَ و " بئسما أنت " . واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الرجاز : لا تعجلا في السير وادلواها * لبئسما بطء ولا نرعاها قال أبو جعفر : والعرب تقول : لبئسما تزويج ولا مهر ، فيجعلون " ما " وحدها اسما بغير صلة . وقائل هذه المقالة لا يجيز أن يكون الذي يلي " بئس " معرفة مؤقتة وخبره معرفة موقتة . وقد زعم أن " بئسما " بمنزلة : بئس الشيء اشتروا به أنفسهم ، فقد صارت " ما " بصلتها اسما موقتا ؛ لأَن " اشتروا " فعل ماض من صلة " ما " في قول قائل هذه المقالة ، وإذا وصلت بماض من الفعل كانت معرفة موقتة معلومة ؛ فيصير تأويل الكلام حينئذ : " بئس شراؤهم كفرهم " ، وذلك عنده غير جائز ، فقد تبين فساد هذا القول . وكان آخر منهم يزعم أن " أن " في موضع خفض إن شئت ، ورفع إن شئت ، فأما الخفض فأن ترده على الهاء التي في " به " على التكرير على كلامين ، كأنك قلت : اشتروا أنفسهم بالكفر . وأما الرفع فأن يكون مكررا على موضع " ما " التي تلي " بئس " . قال : ولا يجوز أن يكون رفعا على قولك : بئس الرجل عبد الله . وقال بعضهم : " بئسما " شيء واحد يرافع ما بعده كما حكي عن العرب : " بئسما تزويج ولا مهر " فرافع تزويج " بئسما " ، كما يقال : " بئسما زيد ، وبئسما عمرو " ، فيكون " بئسما " رفعا بما عاد عليها من الهاء ، كأنك قلت : بئس شيء الشيء اشتروا به أنفسهم ، وتكون " أن " مترجمة عن " بئسما " . وأولى هذه الأَقوال بالصواب قول من جعل " بئسما " مرفوعا بالراجع من الهاء في قوله : اشْتَرَوْا بِهِ كما رفعوا ذلك بعبد الله ، إذ قالوا : بئسما عبد الله ، وجعل " أن يكفروا " مترجمة عن " بئسما " ، فيكون معنى الكلام حينئذ : بئس الشيء باع اليهود به أنفسهم كفرهم بما أنزل الله بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله . وتكون " أن " التي في قوله : " أن ينزل الله " ، في موضع نصب ؛ لأَنه يعني به أن يكفروا بما أنزل الله من أجل أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده وموضعه أن جر . وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أن " أن " في موضع خفض بنية الباء . وإنما اخترنا فيها النصب لتمام الخبر قبلها ، ولا خافض معها يخفضها ، والحرف الخافض لا يخفض مضمرا . وأما قوله : اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ فإنه يعني به باعوا أنفسهم . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ يقول : باعوا أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسن ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ يهود شروا الحق بالباطل وكتمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بأن يبينوه . والعرب تقول : شرى شريته بمعنى بعته ، اشترى واشتروا في هذا الموضع " افتعلوا " من شريت . وكلام العرب فيما بلغنا أن يقولوا : شريت بمعنى بعت ،