محمد بن جرير الطبري

329

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

واشتريت بمعنى ابتعت . وقيل إنما سمي الشاري شاريا لأَنه باع نفسه ودنياه بآخرته . ومن ذلك قول يزيد بن مفرغ الحميري : وشريت بردا ليتني * من قبل برد كنت هامه ومنه قول المسيب بن علس : يعطى بها ثمنا فيمنعها * ويقول صاحبها ألا تشري يعني به : بعت بردا . وربما استعمل " اشتريت " بمعنى " بعت " ، و " شريت " في معنى " ابتعت " ، والكلام المستفيض فيهم هو ما وصفت . وأما معنى قوله : بَغْياً فإنه يعني به : تعديا وحسدا . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد عن قتادة : بَغْياً قال : أي حسدا ، وهم اليهود . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : بَغْياً قال : بغوا على محمد صلى الله عليه وسلم وحسدوه ، وقالوا : إنما كانت الرسل من بني إسرائيل ، فما بال هذا من بني إسماعيل فحسدوه أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : بَغْياً يعني حسدا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده ، وهم اليهود كفروا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، مثله . قال أبو جعفر : فمعنى الآية : بئس الشيء باعوا به أنفسهم الكفر بالذي أنزل الله في كتابه على موسى من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والأَمر بتصديقه واتباعه ، من أجل أن أنزل الله من فضله ، وفضله حكمته وآياته ونبوته على من يشاء من عباده يعني به على محمد صلى الله عليه وسلم بغيا وحسدا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، من أجل أنه كان من ولد إسماعيل ، ولم يكن من بني إسرائيل . فإن قال قائل : وكيف باعت اليهود أنفسها بالكفر فقيل : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وهل يشتري بالكفر شيء ؟ قيل : إن معنى الشراء والبيع عند العرب : هو إزالة مالك ملكه إلى غيره بعوض يعتاضه منه ، ثم تستعمل العرب ذلك في كل معتاض من عمله عوضا شرا أو خيرا ، فتقول : نعم ما باع به فلان نفسه ، وبئس ما باع به فلان نفسه ، بمعنى : نعم الكسب أكسبها وبئس الكسب أكسبها إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرا . فكذلك معنى قوله جل ثناؤه : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لما أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأهلكوها ، خاطبهم الله والعرب بالذي يعرفونه في كلامهم فقال : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ يعني بذلك : بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم ، وبئس العوض اعتاضوا من كفرهم بالله في تكذيبهم محمدا ، إذ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب الله وما أعد لهم لو كانوا آمنوا بالله وما أنزل على أنبيائه بالنار ، وما أعد لهم بكفرهم بذلك . وهذه الآية وما أخبر الله فيها عن حسد اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم وقومه من العرب ، من أجل أن الله جعل النبوة والحكمة فيهم دون اليهود من بني إسرائيل ، حتى دعاهم ذلك إلى الكفر به مع علمهم بصدقه ، وأنه نبي لله مبعوث ورسول مرسل ؛ نظيرة الآية الأَخرى في سوره النساء ، وذلك قوله ، أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً أَمْ يَحْسُدُونَ