محمد بن جرير الطبري
323
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ . قال أبو جعفر : وأما الذين قرءوها : " غلف " بتحريك اللام وضمها ، فإنهم تأولوها أنهم قالوا : قلوبنا غلف للعلم ، بمعنى أنها أوعية . قال : والغلف على تأويل هؤلاء جمع غلاف ، كما يجمع الكتاب كتب ، والحجاب حجب ، والشهاب شهب . فمعنى الكلام على تأويل قراءة من قرأ : " غلف " بتحريك اللام وضمها : وقالت اليهود قلوبنا غلف للعلم ، وأوعية له ولغيره . ذكر من قال ذلك : حدثني عبيد بن أسباط بن محمد ، قال : ثنا أبي ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ قال : أوعية للذكر . حدثني محمد بن عمارة الأَسدي ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا فضيل ، عن عطية في قوله : قُلُوبُنا غُلْفٌ قال : أوعية للعلم . حدثنا أحمد بن إسحاق الأَهوازي ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا فضيل ، عن عطية ، مثله . حدثت عن المنجاب ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ . قال : مملوءة علما لا تحتاج إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره . والقراءة التي لا يجوز غيرها في قوله : قُلُوبُنا غُلْفٌ هي قراءة من قرأ غُلْفٌ بتسكين اللام بمعنى أنها في أغشية وأغطية ؛ لاجتماع الحجة من القراء وأهل التأويل على صحتها ، وشذوذ من شذ عنهم بما خالفه من قراءة ذلك بضم اللام . وقد دللنا على أن ما جاءت به الحجة متفقة عليه حجة على من بلغه ، وما جاء به المنفرد فغير جائز الاعتراض به على ما جاءت به الجماعة التي تقوم بها الحجة نقلا وقولا وعملا في غير هذا الموضع ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا المكان . القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ . يعني جل ثناؤه بقوله : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بل أقصاهم الله وأبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم وجحودهم آيات الله وبيناته ، وما ابتعث به رسله ، وتكذيبهم أنبياءه . فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما كانوا يفعلون من ذلك . وأصل اللعن : الطرد والإِبعاد والإِقصاء ، يقال : لعن الله فلانا يلعنه لعنا وهو ملعون ، ثم يصرف مفعول فيقال هو لعين ؛ ومنه قول الشماخ بن ضرار : ذعرت به القطا ونفيت عنه * مكان الذئب كالرجل اللعين قال أبو جعفر : في قول الله تعالى ذكره : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ تكذيب منه للقائلين من اليهود : قُلُوبُنا غُلْفٌ لأَن قوله : بَلْ دلالة على جحده جل ذكره ، وإنكاره ما ادعوا من ذلك ؛ إذ كانت " بل " لا تدخل في الكلام إلا نقضا لمجحود . فإذا كان ذلك كذلك ، فبين أن معنى الآية : وقالت اليهود قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه يا محمد . فقال الله تعالى ذكره : ما ذلك كما زعموا ، ولكن الله أقصى اليهود وأبعدهم من رحمته وطردهم عنها وأخزاهم بجحودهم له ولرسله فقليلا ما يؤمنون . القول في تأويل قوله تعالى : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ . اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ . فقال بعضهم : معناه : فقليل منهم من يؤمن ، أي لا يؤمن منهم إلا قليل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ فلعمري لمن رجع من أهل الشرك أكثر ممن رجع من أهل الكتاب ، إنما آمن من أهل الكتاب رهط يسير . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ قال : لا يؤمن