محمد بن جرير الطبري

324

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

منهم إلا قليل . وقال آخرون : بل معنى ذلك : فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ قال : لا يؤمن منهم إلا قليل . قال معمر : وقال غيره : لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم . وأولى التأويلات في قوله : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ بالصواب ما نحن متقنوه إن شاء الله ؛ وهو أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية ، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإِيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولذلك نصب قوله : فَقَلِيلًا لأَنه نعت للمصدر المتروك ذكره ، ومعناه : بل لعنهم الله بكفرهم فإيمانا قليلا ما يؤمنون . فقد تبين إذا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك ؛ لأَن معنى ذلك لو كان على ما روي من أنه يعني به : فلا يؤمن منهم إلا قليل ، أو فقليل منهم من يؤمن ، لكان القليل مرفوعا لا منصوبا ؛ لأَنه إذا كان ذلك تأويله كان القليل حينئذ مرافعا " ما " وإن نصب القليل ، و " ما " في معنى " من " أو " الذي " بقيت " ما " لا مرافع لها ، وذلك غير جائز في لغة أحد من العرب . فأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى " ما " التي في قوله : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ فقال بعضهم : هي زائدة لا معنى لها ، وإنما تأويل الكلام : فقليلا يؤمنون ، كما قال جل ذكره : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وما أشبه ذلك . فزعم أن " ما " في ذلك زائدة ، وأن معنى الكلام : فبرحمة من الله لنت لهم ؛ وأنشد في ذلك محتجا لقوله ذلك ببيت مهلهل : لو بأبانين جاء يخطبها * خضب ما أنف خاطب بدم وزعم أنه يعني : خضب أنف خاطب بدم ، وأن " ما " زائدة . وأنكر آخرون ما قاله قائل هذا القول في " ما " في الآية ، وفي البيت الذي أنشده ، وقالوا : إنما ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الأَشياء ، إذ كانت " ما " كلمة تجمع كل الأَشياء ثم تخص وتعم ما عمته بما تذكره بعدها . وهذا القول عندنا أولى بالصواب ؛ لأَن زيادة " ما " لا تفيد من الكلام معنى في الكلام غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه . ولعل قائلا أن يقول : هل كان للذين أخبر الله عنهم أنهم قليلا ما يؤمنون من الإِيمان قليل أو كثير فيقال فيهم فقليلا ما يؤمنون ؟ قيل : إن معنى الإِيمان هو التصديق ، وقد كانت اليهود التي أخبر الله عنها هذا الخبر تصدق بوحدانية الله وبالبعث والثواب والعقاب ، وتكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ، وكل ذلك كان فرضا عليهم الإِيمان به لأَنه في كتبهم ، ومما جاءهم به موسى ؛ فصدقوا ببعض هو ذلك القليل من إيمانهم ، وكذبوا ببعض فذلك هو الكثير الذي أخبر الله عنهم أنهم يكفرون به . وقد قال بعضهم : إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء ، وإنما قيل : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ وهم بالجميع كافرون ، كما تقول العرب : قلما رأيت مثل هذا قط ، وقد روي عنها سماعا منها : مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل ، يعني : ما تنبت غير الكراث والبصل ، وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بالقلة ، والمعنى فيه نفي جميعه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ يعني جل