محمد بن جرير الطبري
314
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أَنْفُسَكُمْ الآية ؛ لأَنه قد ذكر لها أن أوائلهم قد كانوا يفعلون من ذلك ما كان يفعله أواخرهم الذين أدركوا عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ قال أبو جعفر : ويتجه في قوله : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ وجهان : أحدهما أن يكون أريد به : ثم أنتم يا هؤلاء ، فترك " يا " استغناء بدلالة الكلام عليه ، كما قال : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وتأويله : يا يوسف أعرض عن هذا . فيكون معنى الكلام حينئذ : ثم أنتم يا معشر يهود بني إسرائيل بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ، ثم أقررتم بعد شهادتكم على أنفسكم بأن ذلك حق لي عليكم لازم لكم الوفاء لي به تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ متعاونين عليهم في إخراجكم إياهم بالإِثم والعدوان . والتعاون : هو التظاهر ؛ وإنما قيل : للتعاون التظاهر ، لتقوية بعضهم ظهر بعض ، فهو تفاعل من الظهر ، وهو مساندة بعضهم ظهره إلى ظهر بعض . والوجه الآخر أن يكون معناه : ثم أنتم قوم تقتلون أنفسكم ؛ فيرجع إلى الخبر عن " أنتم " ، وقد اعترض بينهم وبين الخبر عنهم بهؤلاء ، كما تقول العرب : أنا ذا أقوم ، وأنا هذا أجلس ، وإذ قيل : أنا هذا أجلس كان صحيحا جائزا ، كذلك أنت ذاك تقوم . وقد زعم بعض البصريين أن قوله " هؤلاء " في قوله : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تنبيه وتوكيد ل " أنتم " ، وزعم أن " أنتم " وإن كانت كناية أسماء جماع المخاطبين ، فإنما جاز أن يؤكدوا ب " هؤلاء " و " أولى " ، لأَنها كناية عن المخاطبين ، كما قال خفاف بن ندبة : أقول له والرمح يأطر متنه * تبين خفافا إنني أنا ذلكا يريد : أنا هذا . وكما قال جل ثناؤه : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ . ثم اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية نحو اختلافهم فيمن عني بقوله : وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ . ذكر اختلاف المختلفين في ذلك : حدثنا محمد بن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ إلى أهل الشرك حتى تسفكوا دماءهم معهم ، وتخرجوهم من ديارهم معهم . فقال : أنبأهم الله على ذلك من فعلهم ، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم ، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم ؛ فكانوا فريقين طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج والنضير وقريظة حلفاء الأَوس ، فكانوا إذا كانت بين الأَوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج ، وخرجت النضير وقريظة مع الأَوس ، بظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم وبأيديهم التوراة يعرفون منها ما عليهم وما لهم ، والأَوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأَوثان لا يعرفون جنة ولا نارا ، ولا بعثا ، ولا قيامة ، ولا كتابا ، ولا حراما ، ولا حلالا ؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم ، تصديقا لما في التوراة وأخذا به بعضهم من بعض : يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأَوس ، وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم ، ويطلون ما أصابوا من الدماء وقتلوا من قتلوا منهم فيما بينهم مظاهرة لأَهل الشرك عليهم . يقول الله تعالى ذكره حين أنبأهم